فهرس الكتاب

الصفحة 2532 من 4314

و هؤلاء الناصرون هم الملائكة الكرام وسائر أسباب التوفيق والهداية والله سبحانه من ورائهم محيط ، قال تعالى:"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد": المؤمن: 51.

قوله تعالى:"و أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى"إلى آخر الآية ، قال في المفردات: الجهد - بفتح الجيم وضمها - الطاقة ، والمشقة أبلغ من الجهد بالفتح ، قال: وقال تعالى:"و أقسموا بالله جهد أيمانهم"أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم.

انتهى.

وقال في المجمع في معنى قوله:"و أقسموا بالله جهد أيمانهم"أي بلغوا في القسم كل مبلغ.

انتهى.

وقولهم:"لا يبعث الله من يموت"إنكار للحشر ، والجملة كناية عن أن الموت فناء فلا يتعلق به بعده خلق جديد ، وهذا لا ينافي قول كلهم أو جلهم بالتناسخ فإنه قول بتعلق النفس بعد مفارقتها البدن ببدن آخر إنساني أو غير إنساني وعيشها في الدنيا ، وهو قولهم بالتولد بعد التولد.

وقوله:"بلى وعدا عليه حقا"أي ليس الأمر كما يقولون بل يبعث الله من يموت وعده وعدا ثابتا عليه حقا أي إن الله سبحانه أوجبه على نفسه بالوعد الذي وعد عباده ، وأثبته إثباتا فلا يتخلف ولا يتغير.

وقوله:"و لكن أكثر الناس لا يعلمون"أي لا يعلمون أنه من الوعد الذي لا يخلف والقضاء الذي لا يتغير لإعراضهم عن الآيات الدالة عليه الكاشفة عن وعده وهي خلق السماوات والأرض واختلاف الناس بالظلم والطغيان والعدل والإحسان والتكليف النازل في الشرائع الإلهية.

قوله تعالى:"ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين"اللام للغاية والغرض أي يبعث الله من يموت ليبين لهم إلخ ، والغايتان في الحقيقة غاية واحدة فإن الثانية من متفرعات الأولى ولوازمها فإن الكافرين إنما يعلمون أنهم كانوا كاذبين في نفي المعاد من جهة تبين الاختلاف الذي ظهر بينهم وبين الرسل بسبب إثبات المعاد ونفيه وظهور المعاد لهم عيانا.

وتبين ما اختلف فيه الناس من شئون يوم القيامة ، وقد تكرر في كلامه هذا التعبير وما في معناه تكرارا صح معه جعل تبيين الاختلاف معرفا لهذا اليوم الذي ثقل في السماوات والأرض وعلى ذلك يتفرع ما قصه الله سبحانه في كلامه من تفاصيل ما يجري فيه من المرور على الصراط وتطاير الكتب ووزن الأعمال والسؤال والحساب وفصل القضاء.

ومن المعلوم - وخاصة من سياق آيات القيامة - أن المراد بالاختلاف ليس ما يوجد بينهم بحسب الخلقة بنحو ذكورة وأنوثة وطول وقصر وبياض وسواد بل ما يوجد في دين الحق من الاختلاف في اعتقاد أو عمل.

وقد بين الله ذلك لهم في هذه النشأة الدنيوية في كتبه المنزلة وبلسان أنبيائه بكل طريق ممكن كما يقول بعد عدة آيات:"و ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه": الآية: 64 من السورة.

ومن هنا يظهر للمتدبر أن البيان الذي يخبر تعالى عنه ويخصه بيوم القيامة نوع آخر من الظهور والوضوح غير ما يتمشى من الكتاب والنبوة في هذه الدنيا من البيان بالحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن ، وليس إلا العيان الذي لا يتطرق إليه شك وارتياب ولا يهجس معه خطور نفساني بالخلاف كما يشير إليه قوله تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22 ، وقوله:"يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين": النور: 25.

فيومئذ يشاهدون حقائق ما اختلفوا فيه من المعارف الدينية الحقة والأعمال الصالحة وما أخلدوا إليه من الباطل ويفصل بينهم بظهور الحق وانجلائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت