فهرس الكتاب

الصفحة 2536 من 4314

و قوله:"في الله"متعلق بهاجروا ، والمراد بكون المهاجرة في الله أن يكون طلب مرضاته محيطا بهم في مهاجرتهم لا يخرجون منه إلى غرض آخر كما يقال: سافر في طلب العلم وخرج في طلب المعيشة أي لا غاية له إلا طلب العلم ولا بغية له إلا طلب المعيشة ، والسياق يعطي أن قوله:"من بعد ما ظلموا"أيضا مقيد بذلك معنى ، والتقدير: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا فيه ، وإنما حذف اختصارا وإنما اكتفى به قيدا للمهاجرة لأنها محل الابتلاء فتخصيصه بإيضاح الحال أولى.

وقوله:"لنبوئنهم في الدنيا حسنة"قيل: أي بلدة حسنة بدلا مما تركوه من وطنهم كمكة وحواليها بدليل قوله:"لنبوئنهم"فإنه من بوأت له مكانا أي سويت وأقررته فيه.

وقيل: أي حالة حسنة من الفتح والظفر ونحو ذلك فيكون قوله:"لنبوئنهم"إلخ ، من الاستعارة بالكناية.

والوجهان متحدان مآلا فإنهم إنما كانوا يهاجرون ليعقدوا مجتمعا إسلاميا طيبا لا يعبد فيه إلا الله ، ولا يحكم فيه إلا العدل والإحسان أو ليدخلوا في مجتمع هذا شأنه فلو رجعوا في مهاجرهم غاية حسنة أو وعدوا بغاية حسنة كان ذلك هذا المجتمع الصالح ، ولو حمدوا البلدة التي يهاجرون إليها لكان حمدهم للمجتمع الإسلامي المستقر فيها لا لمائها أو هوائها فالغاية الحسنة التي يعدهم الله في الدنيا هي هذا المجتمع سواء أريد بالحسنة البلدة أو الغاية.

وقوله:"و لأجر الآخرة خير لو كانوا يعلمون"تتميم للوعد وإشارة إلى أن أجر الآخرة أفضل من هذا الأجر الدنيوي لو كانوا يعلمون ما أعد الله لهم فيها من النعم فإن فيها سعادة من غير شقاء وخلودا من غير فناء ولذة غير مشوبة بألم وجوار رب العالمين.

قوله تعالى:"الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون"لا يبعد أن يستفاد من سياق الآيتين أن جملة العناية فيهما إلى وعد المهاجرين في الله وعدا حسنا في الدنيا والآخرة من غير نظر إلى الإخبار بتحقق المهاجرة قبل حال الخطاب فيكون الكلام في معنى الاشتراط: من يهاجر في الله فله كذا وكذا ، وتكون العناية في قوله:"الذين صبروا"إلخ بتوصيف المهاجرين بالصبر والتوكل من غير نظر إلى ما تحقق منهم من ذلك أيام توقفهم في أوطانهم بين المشركين قبال أذاهم وفتنتهم.

والعناية بالتوصيف إنما هي لكون كلتا الصفتين دخيلتين في الغاية الحسنة التي وعدوا بها إذ لو لم يصبروا على مر الجهاد وأظهروا الجزع عند هجوم العظائم ولم يتأيدوا بالتوكل على الله واعتمدوا على أنفسهم الضعيفة أحيط بهم ولم يتهيأ لهم المستقر وفرقهم العدو المصر على عداوته بددا وتلاشى المجتمع الصالح الذي أقاموه في مهاجرهم هذا في الدنيا ، وأما أمر الآخرة ففساده بفساد المجتمع أو تلاشيه أوضح.

ولو كان المراد وعد المهاجرين الذين تحقق منهم الهجرة قبل نزول الآية تطييبا لنفوسهم وتسلية لهم عما أخرجوا من ديارهم وأموالهم وقاسوا الفتن والمحن كان قوله:"الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون"مدحا لهم بما ظهر منهم أيام إقامتهم بمكة وغيرها من الصبر في الله على أذى المشركين والتوكل على الله فيما عزموا عليه من الإسلام لله.

قوله تعالى:"و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"رجوع ثان إلى بيان كيفية إرسال الرسل وإنزال الكتب حتى يتضح للمشركين أنه لم تكن الدعوة الدينية إلا دعوة عادية من رجال يوحى إليهم من البشر يندبون إلى ما فيه صلاح الناس في دنياهم وعقباهم.

وأنه لم يدع أحد من الرسل ولا ادعي في كتاب من كتب الشرائع أن الدعوة الدينية ظهور للقدرة الغيبية القاهرة لكل شيء والإرادة التكوينية لهدم النظام الجاري ونقض سنة الاختيار وإبطالها حتى يقول القائل منهم:"لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء"إلخ.

وعلى هذا فقوله سبحانه:"و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم"مسوق لحصر الرسالة على البشر العادي من رجال يوحى إليهم قبال ما ادعاه المشركون أنها لو كانت لكانت نقضا لنظام الطبيعة وإبطالا للاختيار والاستطاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت