و قوله:"من بين فرث ودم"الفرث في الكرش وألبان الأنعام مكانها مؤخر البطن بين الرجلين ، والدم مجراه الشرايين والأوردة وهي محيطة بهما جميعا فأخذ اللبن شيئا هو بين الفرث والدم كأنه باعتبار مجاورته لكل منهما واجتماع الجميع في داخل الحيوان وهذا كما يقال ، اخترت زيدا من بين القوم ودعوته وأخرجته من بينهم إذا اجتمع معهم في مكان واحد وجاورهم فيه وإن كان جالسا في حاشية القوم لا وسطهم ، والمراد بذلك أني ميزته من بينهم وقد كان غير متميز.
والمعنى: نسقيكم مما في بطونه لبنا خارجا من بين فرث ودم خالصا غير مختلط ولا مشوب بهما ولا مستصحب لشيء من طعمهما ورائحتهما سائغا للشاربين فذلك عبرة لمن اعتبر وذريعة إلى العلم بكمال القدرة ونفوذ الإرادة ، وأن الذي خلص اللبن من بين فرث ودم لقادر على أن يبعث الإنسان ويحييه بعد ما صار عظاما رميما وضلت في الأرض أجزاؤه.
قوله تعالى:"و من ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا"إلى آخر الآية ، قال في المفردات: السكر - بضم السين - حالة تعرض بين المرء وعقله - إلى أن قال - والسكر - بفتحتين - ما يكون منه السكر ، قال تعالى:"تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا"انتهى.
وقال في المجمع السكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول ما أسكر من الشراب ، والثاني ما طعم من الطعام ، قال الشاعر:"جعلت عيب الأكرمين سكرا"أي جعلت ذمهم طعما لك ، والثالث السكون ومنه ليلة ساكرة أي ساكنة ، قال الشاعر:"و ليست بطلق ولا ساكرة"ويقال: سكرت الريح سكنت ، قال:"و جعلت عين الحرور تسكر"، والرابع المصدر من قولك: سكر سكرا ومنه التسكير التحيير في قوله:"سكرت أبصارنا"انتهى.
والظاهر أن الأصل في معناه هو زوال العقل باستعمال ما يوجب ذلك ، وسائر ما ذكره من المعاني مأخوذة منه بنوع من الاستعارة والتوسع.
وقوله:"و من ثمرات النخيل والأعناب"إما جملة اسمية معطوفة على قوله:"و الله أنزل من السماء ماء"كقوله في الآية السابقة:"و إن لكم في الأنعام لعبرة"، والتقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما - أو شيء - تتخذون منه إلخ ، قالوا: والعرب ربما يضمر ما الموصولة كثيرا ، ومنه قوله تعالى:"و إذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا": الدهر: 20 ، والتقدير رأيت ما ثم ، أو التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون منه ، بناء على عدم جواز حذف الموصول وإبقاء الصلة على ما ذهب إليه البصريون من النحاة.
وإما جملة فعلية معطوفة على قوله:"أنزل من السماء"، كما في الآية التالية:"و أوحى ربك"والتقدير خلق لكم أو آتاكم من ثمرات النخيل والأعناب ، وقوله:"تتخذون منه"إلخ ، بدل منه أو استئناف كأن قائلا يقول: ما ذا نستفيد منه فقيل: تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ، وإفراد ضمير"منه"بتأويل المذكور كقوله:"مما في بطونه"في الآية السابقة.
وقوله:"تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا"أي تتخذون مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب ما هو مسكر كالخمر بأنواعها ورزقا حسنا كالتمر والزبيب والدبس وغير ذلك مما يقتات به.
ولا دلالة في الآية على إباحة استعمال السكر ولا على تحسين استعماله إن لم تدل على نوع من تقبيحه من جهة مقابلته بالرزق الحسن وإنما الآية تعد ما ينتفعون به من ثمرات النخيل والأعناب وهي مكية تخاطب المشركين وتدعوهم إلى التوحيد.
وعلى هذا فالآية لا تتضمن حكما تكليفيا حتى تكون منسوخة أو غير منسوخة وبه يظهر فساد القول بكونها منسوخة بآية المائدة كما نسب إلى قتادة.
وقد أغرب صاحب روح المعاني إذ قال: وتفسير السكر بالخمر هو المروي عن ابن مسعود وابن عمر ، وأبي رزين والحسن ومجاهد والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وأبي ثور والكلبي وابن جبير مع خلق آخرين ، والآية نزلت في مكة والخمر إذ ذاك كانت حلالا يشربها البر والفاجر ، وتحريمها إنما كان بالمدينة اتفاقا ، واختلفوا في أنه قبل أحد أو بعدها والآية المحرمة لها:"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه"، على ما ذهب إليه جمع فما هنا منسوخ بها وروى ذلك غير واحد ممن تقدم كالنخعي وأبي ثور وابن جبير.