فهرس الكتاب

الصفحة 2612 من 4314

أقول: وقد روي الخبر عن أنس بطرق مختلفة منها ما عن البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس قال: ليلة أسري برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم فقال أحدهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا ينام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب محشوا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده يعني عروق حلقه ثم أطبقه ثم عرج به إلى سماء الدنيا ثم ساق الحديث نحوا مما تقدم. والذي وقع فيه من شق بطن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغسله وإنقائه ثم حشوه إيمانا وحكمة حال مثالية شاهدها وليس بالأمر المادي كما ربما يزعم ، ويشهد به حشوه إيمانا وحكمة وأخبار المعراج مملوءة من المشاهدات المثالية والتمثلات الروحية ، وقد ورد هذا المعنى في عدة من أخبار المعراج المروية من طرق القوم ولا ضير فيه كما لا يخفى.

وظاهر الرواية أن معراجه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قبل البعثة وأنه كان في المنام أما كونه قبل البعثة فيدفعه معظم الروايات الواردة في الإسراء وهي أكثر من أن تحصى وقد اتفق على ذلك علماء هذا الشأن.

على أن الحديث نفسه يدفع كون الإسراء قبل البعثة وقد اشتمل على فرض الصلوات وكونها أولا خمسين ثم سؤال التخفيف بإشارة من موسى (عليه السلام) ولا معنى للفرض قبل النبوة فمن الحري أن يحمل صدر الحديث على أن الملائكة أتوه أولا قبل أن يوحى إليه ثم تركوه ثم جاءوه ليلة أخرى بعد بعثته وقد ورد في بعض رواياتنا أن الذين كانوا نائمين معه في المسجد ليلة أسري به هم حمزة بن عبد المطلب وجعفر وعلي ابنا أبي طالب.

وأما ما وقع فيه من كون ذلك في المنام فيمكن - على بعد - أن يكون ناظرا إلى ما ذكر فيه من حديث الشق والغسل لكن الأظهر أن المراد به وقوع الإسراء بجملته في المنام كما يدل عليه ما يأتي من الروايات.

وفي الدر المنثور ، أيضا أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن معاوية بن أبي سفيان: أنه كان إذا سئل عن مسرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال كانت رؤيا من الله صادقة. أقول: وظاهر الآية الكريمة"سبحان الذي أسرى بعبده - إلى قوله - لنريه من آياتنا"يرده ، وكذا آيات صدر سورة النجم وفيها مثل قوله:"ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى"على أن الآيات في سياق الامتنان وفيها ثناء على الله سبحانه بذكر بديع رحمته وعجيب قدرته ، ومن الضروري أن ذلك لا يتم برؤيا يراها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والرؤيا يراها الصالح والطالح وربما يرى الفاسق الفاجر ما هو أبدع مما يراه المؤمن المتقي والرؤيا لا تعد عند عامة الناس إلا نوعا من التخيل لا يستدل به على شيء من القدرة والسلطنة بل غاية ما فيها أن يتفاءل بها فيرجى خيرها أو يتطير بها فيخاف شرها.

وفيه ، أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عائشة قالت: ما فقدت جسد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن الله أسرى بروحه. أقول: ويرد عليه ما ورد على سابقه على أنه يكفي في سقوط الرواية اتفاق كلمة الرواة وأرباب السير على أن الإسراء كان قبل الهجرة بزمان وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنى بعائشة في المدينة بعد الهجرة بزمان لم يختلف في ذلك اثنان والآية أيضا صريحة في إسرائه (صلى الله عليه وآله وسلم) من المسجد الحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت