فهرس الكتاب

الصفحة 2631 من 4314

و لازم ذلك أن يكون مع كل إنسان من عمله ما يعين له حاله في عاقبة أمره معية لازمة لا يتركه وتعيينا قطعيا لا يخطىء ولا يغلط لما قضي به أن كل عمل فهو لصاحبه ليس له إلا هو وأن مصير الطاعة إلى الجنة ومصير المعصية إلى النار.

وبما تقدم يظهر أن الآية إنما تثبت لزوم السعادة والشقاء للإنسان من جهة أعماله الحسنة والسيئة المكتسبة من طريق الاختيار من دون أن يبطل تأثير العمل في السعادة والشقاء بإثبات قضاء أزلي يحتم للإنسان سعادة أو شقاء سواء عمل أم لم يعمل وسواء أطاع أم عصى كما توهمه بعضهم.

قوله تعالى:"و نخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا"يوضح حال هذا الكتاب قوله بعده:"اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"حيث يدل أولا على أن الكتاب الذي يخرج له هو كتابه نفسه لا يتعلق بغيره ، وثانيا أن الكتاب متضمن لحقائق أعماله التي عملها في الدنيا من غير أن يفقد منها شيئا كما في قوله:"يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها": الكهف: 49 ، وثالثا أن الأعمال التي أحصاها بادية فيها بحقائقها من سعادة أو شقاء ظاهرة بنتائجها من خير أو شر ظهورا لا يستتر بستر ولا يقطع بعذر ، قال تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22.

ويظهر من قوله تعالى:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء": آل عمران: 30 أن الكتاب يتضمن نفس الأعمال بحقائقها دون الرسوم المخطوطة على حد الكتب المعمولة فيما بيننا في الدنيا فهو نفس الأعمال يطلع الله الإنسان عليها عيانا ، ولا حجة كالعيان.

وبذلك يظهر أن المراد بالطائر والكتاب في الآية أمر واحد وهو العمل الذي يعمله الإنسان غير أنه سبحانه قال:"و نخرج له يوم القيامة كتابا"ففرق الكتاب عن الطائر ولم يقل:"و نخرجه"لئلا يوهم أن العمل إنما يصير كتابا يوم القيامة وهو قبل ذلك طائر وليس بكتاب أو يوهم أن الطائر خفي مستور غير خارج قبل يوم القيامة فلا يلائم كونه ملزما له في عنقه.

وبالجملة في قوله:"و نخرج له"إشارة إلى أن كتاب الأعمال بحقائقها مستور عن إدراك الإنسان محجوب وراء حجاب الغفلة وإنما يخرجه الله سبحانه للإنسان يوم القيامة فيطلعه على تفاصيله ، وهو المعنى بقوله:"يلقاه منشورا".

وفي ذلك دلالة على أن ذلك أمر مهيأ له غير مغفول عنه فيكون تأكيدا لقوله:"و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه"لأن المحصل أن الإنسان ستناله تبعة عمله لا محالة أما أولا فلأنه لازم له لا يفارقه.

وأما ثانيا فلأنه مكتوب كتابا سيظهر له فيلقاه منشورا.

قوله تعالى:"اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"أي يقال: له: اقرأ كتابك"إلخ".

وقوله:"كفى بنفسك"الباء فيه زائدة للتأكيد وأصله كفت نفسك وإنما لم يؤنث الفعل لأن الفاعل مؤنث مجازي يجوز معه التذكير والتأنيث ، وربما قيل: إنه اسم فعل بمعنى اكتف والباء غير زائدة ، وربما وجه بغير ذلك.

وفي الآية دلالة على أن حجة للكتاب قاطعة بحيث لا يرتاب فيها قارئه ولو كان هو المجرم نفسه وكيف لا؟ وفيه معاينة نفس العمل وبه الجزاء ، قال تعالى:"لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7.

وقد اتضح مما أوردناه في وجه اتصال قوله:"و يدع الإنسان بالشر"الآية بما قبله وجه اتصال هاتين الآيتين أعني قوله:"و كل إنسان ألزمناه طائره - إلى قوله - حسيبا"فمحصل معنى الآيات والسياق سياق التوبيخ واللوم أن الله سبحانه أنزل القرآن وجعله هاديا إلى ملة هي أقوم جريا على السنة الإلهية في هداية الناس إلى التوحيد والعبودية وإسعاد من اهتدى منهم وإشقاء من ضل لكن الإنسان لا يميز الخير من الشر ولا يفرق بين النافع والضار بل يستعجل كل ما يهواه فيطلب الشر كما يطلب الخير.

والحال أن العمل سواء كان خيرا أو شرا لازم لصاحبه لا يفارقه وهو أيضا محفوظ عليه في كتاب سيخرج له يوم القيامة وينشر بين يديه ويحاسب عليه ، وإذا كان كذلك كان من الواجب على الإنسان أن لا يبادر إلى اقتحام كل ما يهواه ويشتهيه ولا يستعجل ارتكابه بل يتوقف في الأمور ويتروى حتى يميز بينها ويفرق خيرها من شرها فيأخذ بالخير ويتحرز الشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت