فهرس الكتاب

الصفحة 2651 من 4314

و مآله إلى نحو من قولنا: لا تقف ما ليس لك به علم فإنه محفوظ عليك في سمعك وبصرك وفؤادك ، والله سائلها عن عملك لا محالة ، فتكون الآية في معنى قوله تعالى:"حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون - إلى أن قال - وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين": حم السجدة - 20 - 23 وغيرها من آيات شهادة الأعضاء.

غير أن الآية تزيد عليها بعد الفؤاد من الشهداء على الإنسان وهو الذي به يشعر الإنسان ما يشعر ويدرك ما يدرك ، وهو من أعجب ما يستفاد من آيات الحشر أن يوقف الله النفس الإنسانية فيسألها عما أدركت فتشهد على الإنسان نفسه.

وقد تبين أن الآية تنهى عن الإقدام على أمر مع الجهل به سواء كان اعتقادا مع الجهل أو عملا مع الجهل بجوازه ووجه الصواب فيه أو ترتيب أثر لأمر مع الجهل به وذيلها يعلل ذلك بسؤاله تعالى السمع والبصر والفؤاد ، ولا ضير في كون العلة أعم مما عللتها فإن الأعضاء مسئولة حتى عما إذا أقدم الإنسان مع العلم بعدم جواز الإقدام قال تعالى:"اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم"الآية.

قال في المجمع ، في معنى قوله:"و لا تقف ما ليس لك به علم": معناه لا تقل: سمعت ولم تسمع ولا رأيت ولم تر ولا علمت ولم تعلم عن ابن عباس وقتادة ، وقيل: معناه لا تقل في قفا غيرك كلاما أي إذا مر بك فلا تغتبه عن الحسن ، وقيل: هو شهادة الزور عن محمد بن الحنفية.

والأصل أنه عام في كل قول أو فعل أو عزم يكون على غير علم فكأنه سبحانه قال: لا تقل إلا ما تعلم أنه يجوز أن يقال ، ولا تفعل إلا ما تعلم أنه يجوز أن يفعل ولا تعتقد إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يعتقد انتهى.

وفيه أن الذي ذكره أعم مما تفيده الآية فإنها تنهى عن اقتفاء ما لا علم به لا عن الاقتفاء إلا مع العلم والثاني أعم من الأول فإنه يشمل النهي عن الاقتفاء مع العلم بعدم الجواز لكن الأول إنما يشمل النهي عن الاقتفاء مع الجهل بوجه الاعتقاد أو العمل: وأما ما نقله من الوجوه في أول كلامه فالأحرى بها أن يذكر في تفسير التعليل بعنوان الإشارة إلى بعض المصاديق دون المعلل.

قوله تعالى:"و لا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا"المرح شدة الفرح بالباطل - كما قيل - ولعل التقييد بالباطل للدلالة على خروجه عن حد الاعتدال فإن الفرح الحق هو ما يكون ابتهاجا بنعمة من نعم الله شكرا له وهو لا يتعدى حد الاعتدال ، وأما إذا فرح واشتد منه ذلك حتى خف عقله وظهر آثاره في أفعاله وأقواله وقيامه وقعوده وخاصة في مشيه فهو من الباطل.

وقوله:"و لا تمش في الأرض مرحا"نهي عن استعظام الإنسان نفسه بأكثر مما هو عليه لمثل البطر والأشر والكبر والخيلاء ، وإنما ذكر المشي في الأرض مرحا لظهور ذلك فيه.

وقوله:"إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا"كناية عن أن فعالك هذا وأنت تريد به إظهار القدرة والقوة والعظمة إنما هو وهم تتوهمه فإن هناك ما هو أقوى منك لا يخترق بقدميك وهي الأرض وما هو أطول منك وهي الجبال فاعترف بذلك أنك وضيع مهين فلا شيء مما يبتغيه الإنسان ويتنافس فيه في هذه النشأة من ملك وعزة وسلطنة وقدرة وسؤدد ومال وغيرها إلا أمور وهمية لا حقيقة لها وراء الإدراك الإنساني سخر الله النفوس للتصديق بها والاعتماد في العمل عليها لتعمير النشأة وتمام الكلمة ، ولو لا هذه الأوهام لم يعش الإنسان في الدنيا ولا تمت كلمته تعالى:"و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36.

قوله تعالى:"كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها"الإشارة بذلك إلى ما تقدم من الواجبات والمحرمات - كما قيل - والضمير في"سيئه"يرجع إلى ذلك ، والمعنى كل ما تقدم كان سيئه - وهو ما نهي عنه وكان معصية من بين المذكورات - عند ربك مكروها لا يريده الله تعالى.

وفي غير القراءة المعروفة"سيئة"بفتح الهمزة والتاء في آخرها وهي على هذه القراءة خبر كان والمعنى واضح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت