فهرس الكتاب

الصفحة 2683 من 4314

و قوله:"و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا"لا يبعد أن يكون المراد بمن خلقناهم أنواع الحيوان ذوات الشعور والجن الذي يثبته القرآن فإن الله سبحانه يعد أنواع الحيوان أمما أرضية كالأمة الإنسانية ويجريها مجرى أولي العقل كما قال:"و ما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون".

وهذا هو الأنسب بمعنى الآية وقد عرفت أن الغرض منها بيان ما كرم الله به بني آدم وفضلهم على سائر الموجودات الكونية وهي - فيما نعلم - الحيوان والجن وأما الملائكة فليسوا من الموجودات الكونية الواقعة تحت تأثير النظام المادي الحاكم في عالم المادة.

فالمعنى: وفضلنا بني آدم على كثير مما خلقنا وهم الحيوان والجن وأما غير الكثير وهم الملائكة فهم خارجون عن محل الكلام لأنهم موجودات نورية غير كونية ولا داخلة في مجرى النظام الكوني ، والآية إنما تتكلم في الإنسان من جهة أنه أحد الموجودات الكونية وقد أنعم عليه بنعم نفسية وإضافية.

وقد تبين مما تقدم: أولا: أن كلا من التكريم والتفضيل في الآية ناظر إلى نوع من الموهبة الإلهية التي أوتيها الإنسان ، أما تكريمه فيما يختص بنوعه من الموهبة لا يتعداه إلى غيره وهو العقل الذي يميز به الخير من الشر والنافع من الضار والحسن من القبيح ويتفرع عليه مواهب أخرى كالتسلط على غيره واستخدامه في سبيل مقاصده والنطق والخط وغيره.

وأما تفضيله فبما يزيد به على غيره في الأمور المشتركة بينه وبين غيره كما أن الحيوان يتغذى بما وجده من لحم أو فاكهة أو حب أو عشب ونحو ذلك على وجه ساذج والإنسان يتغذى بذلك ويزيد عليه بما يبدعه من ألوان الغذاء المطبوخ وغير المطبوخ على أنحاء مختلفة وفنون مبتكرة وطعوم مستطابة لذيذة لا تكاد تحصى ولا تزال تزداد نوعا وصنفا ، وقس على ذلك الحال في مشربه وملبسه ومسكنه ونكاحه واجتماعه المنزلي والمدني وغير ذلك.

وقال في مجمع البيان ،: ومتى قيل: إذا كان معنى التكريم والتفضيل واحدا فما معنى التكرار؟ فجوابه أن قوله:"كرمنا"ينبىء عن الإنعام ولا ينبىء عن التفضل فجاء بلفظ التفضيل ليدل عليه ، وقيل: إن التكريم يتناول نعم الدنيا والتفضيل يتناول نعم الآخرة ، وقيل: إن التكريم بالنعم التي يصح بها التكليف ، والتفضل بالتكليف الذي عرضهم به للمنازل العالية.

انتهى.

أما ما ذكره أن التفضيل يدل على نكتة زائدة على مدلول التكريم وهو كونه تفضلا وإعطاء لا عن استحقاق ففيه أنه ممنوع والتفضيل كما يصح لا عن استحقاق من المفضل كذلك يصح عن استحقاق منه لذلك ، وأما ما نقله عن غيره فدعوى من غير دليل.

وقال الرازي في تفسيره ، في الفرق بينهما: إن الأقرب في ذلك أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ثم إنه عز وجل عرضه بواسطة العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل فكأنه قيل: فضلناهم بالتعريض لاكتساب ما فيه النجاة والزلفى بواسطة ما كرمناهم به من مبادىء ذلك فعليهم أن يشكروا ويصرفوا ما خلق لهم لما خلق له فيوحدوا الله تعالى ولا يشركوا به شيئا ويرفضوا ما هم عليه من عبادة غيره انتهى.

ومحصله الفرق بين التكريم والتفضيل بأن الأول إنما هو في الأمور الذاتية أو ما يلحق بها من الغريزيات والثاني في الأمور الاكتسابية وأنت خبير بأن الإنسان وإن وجد فيه من المواهب الإلهية والكمالات الوجودية أمور ذاتية وأمور اكتسابية على ما ذكره لكن اختصاص التكريم بالنوع الأول والتفضيل بالنوع الثاني لا يساعد عليه لغة ولا عرف.

فالوجه ما قدمناه.

وثانيا: أن الآية ناظرة إلى الكمال الإنساني من حيث وجوده الكوني وتكريمه وتفضيله بالقياس إلى سائر الموجودات الكونية الواقعة تحت النظام الكوني فالملائكة الخارجون عن النظام الكوني خارجون عن محل الكلام والمراد بتفضيل الإنسان على كثير ممن خلق تفضيله على غير الملائكة من الموجودات الكونية ، وأما الملائكة فوجودهم غير هذا الوجود فلا تعرض لهم في ذلك بوجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت