و فيه أنه لو تم ذلك لم يكن لطاعة الملائكة فضل أصلا إذ لا سبيل لهم إلى المعصية ولا لهم مقام استواء النسبة ولم يكن لهم شرف ذاتي وقيمة جوهرية إذ لا شرف على هذا إلا بالطاعة التي تقابلها معصية ، وتسمية المطاوعة الذاتية التي لا تتخلف عن الذات طاعة مجاز ، ولو كان كذلك لم يكن لقربهم من ربهم موجب ولا لأعمالهم منزلة.
لكن الله سبحانه أقامهم مقام القرب والزلفى وأسكنهم في حظائر القدس ومنازل الإنس ، وجعلهم خزان سره وحملة أمره ووسائط بينه وبين خلقه ، وهل هذا كله لإرادة منه جزافية من غير صلاحية منهم واستحقاق من ذواتهم؟.
وقد أثنى الله عليهم أجزل الثناء إذ قال فيهم:"بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء: 27 وقال:"لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون": التحريم: 6 فوصف ذواتهم بالإكرام من غير تقييده بقيد ومدح طاعتهم واستنكافهم عن المعصية.
وقال مادحا لعبادتهم وتذللهم لربهم:"و هم من خشيته مشفقون": الأنبياء - 28 وقال:"فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون": حم السجدة - 38 وقال:"و اذكر ربك في نفسك إلى أن قال - ولا تكن من الغافلين إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون": الأعراف: 206 فأمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكره كذكرهم ويعبده كعبادتهم.
وحق الأمر أن كون العمل جائز الفعل والترك ووقوف الإنسان في موقف استواء النسبة ليس في نفسه ملاك أفضلية طاعته بل بما يكشف ذلك عن صفاء طينته وحسن سريرته والدليل على ذلك أن لا قيمة للطاعة مع العلم بخباثة نفس المطيع وقبح سريرته وإن بلغ في تصفية العمل وبذل المجهود فيه ما بلغ كطاعة المنافق ومريض القلب الحابط عمله عند الله الممحوة حسنته عن ديوان الأعمال فصفاء نفس المطيع وجمال ذاته وخلوصه في عبوديته الذي يكشف عنه انتزاعه من العصية إلى الطاعة وتحمله المشاق في ذلك هو الموجب لنفاسة عمله وفضل طاعته.
وعلى هذا فذوات الملائكة ولا قوام لها إلا الطهارة والكرامة ولا يحكم في أعمالهم إلا ذل العبودية وخلوص النية أفضل من ذات الإنسان المتكدرة بالهوى المشوبة بالغضب والشهوة وأعماله التي قلما تخلو عن خفايا الشرك وشآمة النفس ودخل الطبع.
فالقوام الملكي أفضل من القوام الإنساني والأعمال الملكية الخالصة لوجه الله أفضل من أعمال الإنسان وفيها لون قوامه وشوب من ذاته ، والكمال الذي يتوخاه الإنسان لذاته في طاعته وهو الثواب أوتيه الملك في أول وجوده كما تقدمت الإشارة إليه.
نعم لما كان الإنسان إنما ينال الكمال الذاتي تدريجا بما يحصل لذاته من الاستعداد سريعا أو بطيئا كان من المحتمل أن ينال عن استعداده مقاما من القرب وموطنا من الكمال فوق ما قد ناله الملك ببهاء ذاته في أول وجوده ، وظاهر كلامه تعالى يحقق هذا الاحتمال.
كيف وهو سبحانه يذكر في قصة جعل الإنسان خليفة في الأرض فضل الإنسان واحتماله لما لا يحتمله الملائكة من العلم بالأسماء كلها ، وأنه مقام من الكمال لا يتداركه تسبيحهم بحمده وتقديسهم له ، ويطهره مما سيظهر منه من الفساد في الأرض وسفك الدماء كما قال:"و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أ تجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون"إلى آخر الآيات: البقرة: 30 33 وقد فصلنا القول في ذلك في ذيل الآيات في الجزء الأول من الكتاب.
ثم ذكر سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم ثم سجودهم له جميعا فقال:"فسجد الملائكة كلهم أجمعون": الحجر: 30 وقد أوضحنا في تفسير الآيات في القصة في سورة الأعراف أن السجدة إنما كان خضوعا منهم لمقام الكمال الإنساني ولم يكن آدم (عليه السلام) إلا قبلة لهم ممثلا للإنسانية قبال الملائكة.
فهذا ما يفيده ظاهر كلامه تعالى ، وفي الأخبار ما يؤيده ، وللبحث جهة عقلية يرجع فيها إلى مظانه.