فهرس الكتاب

الصفحة 2688 من 4314

و فيه أنه مبني على أخذ الإمام في الآية بمعناه العرفي وهو من يؤتم به من العقلاء ، ولا سبيل إليه مع وجود معنى خاص له في عرف القرآن وهو الذي يهدي بأمر الله والمؤتم به في الضلال.

ومنها: أن المراد كتاب أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير ويا أصحاب كتاب الشر ووجه كونه إماما بأنهم متبعون لما يحكم به من جنة أو نار.

وفيه أنه لا معنى لتسمية كتاب الأعمال إماما وهو يتبع عمل الإنسان من خير أو شر فإن يسمى تابعا أولى به من أن يسمى متبوعا ، وأما ما وجه به أخيرا ففيه أن المتبع من الحكم ما يقضي به الله سبحانه بعد نشر الصحف والسؤال والوزن والشهادة وأما الكتاب فإنما يشتمل على متون أعمال الخير والشر من غير فصل القضاء.

ومنه يظهر أن ليس المراد بالإمام اللوح المحفوظ ولا صحيفة عمل الأمة وهي التي يشير إليها قوله:"كل أمة تدعى إلى كتابها": الجاثية: 28 لعدم ملائمته قوله ذيلا:"فمن أوتي كتابه بيمينه"الظاهر في الفرد دون الجماعة.

ومنها: أن المراد به الأمهات - بجعل إمام جمعا لأم فيقال: يا ابن فلانة ولا يقال يا ابن فلان ، وقد رووا فيه رواية.

وفيه أنه لا يلائم لفظ الآية فقد قيل:"ندعوا كل أناس بإمامهم"ولم يقل ندعو الناس بإمامهم أو ندعو كل إنسان بأمه ولو كان كما قيل لتعين أحد التعبيرين الأخيرين وما أشير إليه من الرواية على تقدير صحتها وقبولها رواية مستقلة غير واردة في تفسير الآية.

على أن جمع الأم بالإمام لغة نادرة لا يحمل على مثلها كلامه تعالى وقد عد في الكشاف هذا القول من بدع التفاسير.

ومنها: أن المراد به المقتدى به والمتبع عاقلا كان أو غيره حقا كان أو باطلا كالنبي والولي والشيطان ورؤساء الضلال والأديان الحقة والباطلة والكتب السماوية وكتب الضلال والسنن الحسنة والسيئة ، ولعل دعوة كل أناس بإمامهم على هذا الوجه كناية عن ملازمة كل تابع يوم القيامة لمتبوعه ، والباء للمصاحبة.

وفيه ما أوردناه على القول بأن المراد به الأنبياء ورؤساء الضلال فالحمل على المعنى اللغوي إنما يحسن فيما لم يكن للقرآن فيه عرف ، وقد عرفت أن الإمام في عرف القرآن هو الذي يهدي بأمر الله أو المقتدى في الضلال ومن الممكن أن يكون الباء في"بإمامهم"للآلة فافهم ذلك.

على أن هداية الكتاب والسنة والدين وغير ذلك بالحقيقة ترجع إلى هداية الإمام وكذا النبي إنما يهدي بما أنه إمام يهدي بأمر الله ، وأما من حيث إنبائه عن معارف الغيب أو تبليغه ما أرسل به فإنما هو نبي أو رسول وليس بإمام ، وكذا إضلال المذاهب الباطلة وكتب الضلال والسنن المبتدعة بالحقيقة إضلال مؤسسيها والمبتدعين بها.

قوله تعالى:"فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا"الفتيل هو المفتول الذي في شق النواة ، وقيل: الفتيل هو الذي في بطن النواة والنقير في ظهرها والقطمير شق النواة.

وتفريع التفصيل على دعوتهم بإمامهم دليل على أن ائتمامهم هو الموجب لانقسامهم إلى قسمين وتفرقهم فريقين: من أوتي كتابه بيمينه ومن كان أعمى وأضل سبيلا فالإمام إمامان: إمام هدى وإمام ضلال ، وهذا هو الذي قدمناه أن تفريع التفصيل يشهد بكون المراد بالإمام أعم من إمام الهدى.

ويشهد به أيضا تبديل إيتاء الكتاب بالشمال أو من وراء الظهر كما وقع في غير هذا الموضع من قوله:"و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى"إلخ.

والمعنى - بإعانة من السياق - فيتفرقون حينئذ فريقين فالذين أعطوا صحيفة أعمالهم بأيمانهم فأولئك يقرءون كتابهم فرحين مستبشرين مسرورين بالسعادة ولا يظلمون مقدار فتيل بل يوفون أجورهم تامة كاملة.

قوله تعالى:"و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا"المقابلة بين قوليه:"في هذه"و"في الآخرة"دليل على أن الإشارة بهذه إلى الدنيا كما أن كون الآية مسوقة لبيان التطابق بين الحياة الدنيا والآخرة دليل على أن المراد بعمى الآخرة عمى البصيرة كما أن المراد بعمى الدنيا ذلك قال تعالى:"إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"ويؤيد ذلك أيضا تعقيب عمى الآخرة بقوله:"و أضل سبيلا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت