فهرس الكتاب

الصفحة 2698 من 4314

و به يظهر أن محصل معنى الآية أن القرآن يزيد المؤمنين صحة واستقامة على صحتهم واستقامتهم بالإيمان وسعادة على سعادتهم وإن زاد الكافرين شيئا فإنما يزيدهم نقصا وخسارا.

وللمفسرين في معنى صدر الآية وذيلها وجوه أخر أغمضنا عنها من أراد الوقوف عليها فليراجع مسفوراتهم.

ومما ذكروه فيها أن المراد بالشفاء في الآية أعم من شفاء الأمراض الروحية من الجهل والشبهة والريب والملكات النفسانية الرذيلة وشفاء الأمراض الجسمية بالتبرك بآياته الكريمة قراءة وكتابة هذا.

ولا بأس به لكن لو صح التعميم فليصح في الصدر والذيل جميعا فإنه كما يستعان به على دفع الأمراض والعاهات بقراءة أو كتابة كذلك يستعان به على دفع الأعداء ورفع ظلم الظالمين وإبطال كيد الكافرين فيزيد بذلك الظالمين خسارا كما يفيد المؤمنين شفاء هذا ، ونسبة زيادة خسارهم إلى القرآن مع أنها مستندة بالحقيقة إلى سوء اختيارهم وشقاء أنفسهم إنما هي بنوع من المجاز.

قوله تعالى:"و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا"قال في المفردات ،: العرض خلاف الطول وأصله أن يقال في الأجسام ثم يستعمل في غيرها - إلى أن قال - وأعرض أظهر عرضه أي ناحيته فإذا قيل: أعرض لي كذا أي بدا عرضه فأمكن تناوله ، وإذا قيل: أعرض عني فمعناه ولى مبديا عرضه.

انتهى موضع الحاجة.

والنأي البعد ونأى بجانبه أي اتخذ لنفسه جهة بعيدة منا ، ومجموع قوله:"أعرض ونأى بجانبه"يمثل حال الإنسان في تباعده وانقطاعه من ربه عند ما ينعم عليه.

كمن يحول وجهه عن صاحبه ويتخذ لنفسه موقفا بعيدا منه ، وربما ذكر بعض المفسرين أن قوله.

"نأى بجانبه"كناية عن الاستكبار والاستعلاء.

وقوله:"و إذا مسه الشر كان يؤسا"أي وإذا أصابه الشر أصابة خفيفة كالمس كان آيسا منقطع الرجاء عن الخير وهو النعمة ، ولم ينسب الشر إليه تعالى كما نسب النعمة تنزيها له تعالى من أن يسند إليه الشر ، ولأن وجود الشر أمر نسبي لا نفسي فما يتحقق من الشر في العالم كالموت والمرض والفقر والنقص وغير ذلك إنما هو شر بالنسبة إلى مورده ، وأما بالنسبة إلى غيره وخاصة النظام العام الجاري في الكون فهو من الخير الذي لا مناص عنه في التدبير الكلي فما كان من الخير فهو مما تعلقت به بعينه العناية الإلهية وهو مراد بالذات ، وما كان من الشر فهو مما تعلقت به العناية لغيره وهو مقضي بالعرض.

فالمعنى أنا إذا أنعمنا على الإنسان هذا الموجود الواقع في مجرى الأسباب اشتغل بظواهر الأسباب وأخلد إليها فنسينا فلم يذكرنا ولم يشكرنا ، وإذا ناله شيء يسير من الشر فسلب منه الخير وزالت عنه أسبابه ورأى ذلك كان شديد اليأس من الخير لكونه متعلقا بأسبابه وهو يرى بطلان أسبابه ولا يرى لربه في ذلك صنعا.

والآية تصف حال الإنسان العادي الواقع في المجتمع الحيوي الذي يحكم فيه العرف والعادة فهو إذا توالت عليه النعم الإلهية من المال والجاه والبنين وغيرها ووافقته على ذلك الأسباب الظاهرية اشتغل بها وتعلق قلبه بها فلم تدع له فراغا يشتغل فيه بذكر ربه وشكره بما أنعم عليه ، وإذا مسه الشر وسلب عنه بعض النعم الموهوبة أيس من الخير ولم يتسل بالرجاء لأنه لا يرى للخير إلا الأسباب الظاهرية التي لا يجد وقتئذ شيئا منها في الوجود.

وهذه الحال غير حال الإنسان الفطري غير المشوب ذهنه بالرسوم والآداب ولا الحاكم فيه العرف والعادة إما بتأييد إلهي يلازمه ويسدده وإما بعروض اضطرار ينسيه الأسباب الظاهرية فيرجع إلى سذاجة فطرته ويدعو ربه ويسأله كشف ضره فللإنسان حالان حال فطرية تهديه إلى الرجوع إلى ربه عند مس الضر ونزول الشر وحال عادية تحول فيها الأسباب بينه وبين ربه فتشغله وتصرفه عن الرجوع إليه بالذكر والشكر ، والآية تصف حاله الثانية دون الأولى.

ومن هنا يظهر أن لا منافاة بين هذه الآية والآيات الدالة على أن الإنسان إذا مسه الضر رجع إلى ربه كقوله تعالى فيما تقدم:"و إذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه"الآية وقوله:"و إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما"الآية: يونس: 12 إلى غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت