فهرس الكتاب

الصفحة 2700 من 4314

و قد خفي عليه أن هذا الوجوب إنما هو قائم بالمعلول تلقاه من قبل العلة مثل ما يتلقى وجوده من قبله ، ومن المحال أن يعود ما يفيضه العلة فيقهر العلة فيضطرها على الفعل ويغلبها بتحديده.

ولقد أنصف صاحب روح المعاني حيث أشار أولا إلى نظير ما تقدم من البحث فقال: ولا يخفى أن هذا إنما يتم على القول بأنه تعالى لا يمكن أن تكون إرادته متساوية النسبة إلى الشيء ومقابله بلا داع ومصلحة كما هو مذهب الأشاعرة وإلا فقد يقال: إن الفاعل للكل إذا كان مختارا فله أن يختار أيما شاء من الخيرات والشرور لكن الحكماء وأساطين الإسلام قالوا: إن اختياره تعالى أرفع من هذا النمط ، وأمور العالم منوطة بقوانين كلية ، وأفعاله تعالى مربوطة بحكم ومصالح جلية وخفية.

ثم قال: وقول الإمام:"إن الفلاسفة لما قالوا بالإيجاب والجبر في الأفعال فخوضهم في هذا المبحث من جملة الفضول والضلال لأن السؤال بلم عن صدورها غير وارد كصدور الإحراق من النار لأنه يصدر عنها لذاتها".

ناش من التعصب لأن محققيهم يثبتون الاختيار ، وليس صدور الأفعال من الله تعالى عندهم صدور الإحراق من النار ، وبعد فرض التسليم بحثهم عن كيفية وقوع الشر في هذا العالم لأجل أن الباري تبارك اسمه خير محض بسيط عندهم ولا يجوزون الشر عما لا جهة شرية فيه أصلا فيلزم عليهم في بادىء النظر ما افترته الثنوية من مبدأين خيري وشري فتخلصوا عن ذلك البحث فهو فضل لا فضول.

انتهى.

قوله تعالى:"قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا"المشاكلة - على ما في المفردات ، - من الشكل وهو تقييد الدابة ، ويسمى ما يقيد به شكالا بكسر الشين ، والشاكلة هي السجية سمي بها لتقييدها الإنسان أن يجري على ما يناسبها وتقتضيه.

وفي المجمع ،: الشاكلة الطريقة والمذهب يقال: هذا طريق ذو شواكل أي ينشعب منه طرق جماعة انتهى.

وكأن تسميتهما بها لما فيها من تقييد العابرين والمنتحلين بالتزامهما وعدم التخلف عنهما وقيل: الشاكلة من الشكل بفتح الشين بمعنى المثل وقيل: إنها من الشكل بكسر الشين بمعنى الهيأة.

وكيف كان فالآية الكريمة ترتب عمل الإنسان على شاكلته بمعنى أن العمل يناسبها ويوافقها فهي بالنسبة إلى العمل كالروح السارية في البدن الذي يمثل بأعضائه وأعماله هيأت الروح المعنوية وقد تحقق بالتجارب والبحث العلمي أن بين الملكات والأحوال النفسانية وبين الأعمال رابطة خاصة فليس يتساوى عمل الشجاع الباسل والجبان إذا حضرا موقفا هائلا ، ولا عمل الجواد الكريم والبخيل اللئيم في موارد الإنفاق وهكذا ، وأن بين الصفات النفسانية ونوع تركيب البنية الإنسانية رابطة خاصة فمن الأمزجة ما يسرع إليه الغضب وحب الانتقام بالطبع ومنها ما تغلي وتفور فيه شهوة الطعام أو النكاح أو غير ذلك بحيث تتوق نفسه بأدنى سبب يدعوه ويحركه ، ومنها غير ذلك فيختلف انعقاد الملكات بحسب ما يناسب المورد سرعة وبطءا.

ومع ذلك كله فليس يخرج دعوة المزاج المناسب لملكة من الملكات أو عمل من الأعمال من حد الاقتضاء إلى حد العلية التامة بحيث يخرج الفعل المخالف لمقتضى الطبع عن الإمكان إلى الاستحالة ويبطل الاختيار فالفعل باق على اختياريته وإن كان في بعض الموارد صعبا غاية الصعوبة.

وكلامه سبحانه يؤيد ما تقدم على ما يعطيه التدبر فهو سبحانه القائل:"و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا": الأعراف: 58 وانضمام الآية إلى الآيات الدالة على عموم الدعوة كقوله:"لأنذركم به ومن بلغ": الأنعام: 19 يفيد أن تأثير البنى الإنسانية في الصفات والأعمال على نحو الاقتضاء دون العلية التامة كما هو ظاهر.

كيف وهو تعالى يعد الدين فطريا تهتف به الخلقة التي لا تبديل لها ولا تغيير قال:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30 وقال:"ثم السبيل يسره": عبس: 20 ولا تجامع دعوة الفطرة إلى الدين الحق والسنة المعتدلة دعوة الخلقة إلى الشر والفساد والانحراف عن الاعتدال بنحو العلية التامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت