فهرس الكتاب

الصفحة 2716 من 4314

و إنما أخذ الظن دون اليقين لأن الحكم لله وليوافق ما في كلام فرعون:"و إني لأظنك يا موسى"إلخ ومن الظن ما يستعمل في مورد اليقين.

قوله تعالى:"فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا"الاستفزاز الإزعاج والإخراج بعنف ، ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"و قلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا"المراد بالأرض التي أمروا أن يسكنوها هي الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم بشهادة قوله:"ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم": المائدة: 21 ، وغير ذلك كما أن المراد بالأرض في الآية السابقة مطلق الأرض أو أرض مصر بشهادة السياق.

وقوله:"فإذا جاء وعد الآخرة"أي وعد الكرة الآخرة أو الحياة الآخرة والمراد به على ما ذكره المفسرون يوم القيامة ، وقوله:"جئنا بكم لفيفا أي مجموعا ملفوفا بعضكم ببعض."

والمعنى: وقلنا من بعد غرق فرعون لبني إسرائيل اسكنوا الأرض المقدسة - وكان فرعون يريد أن يستفزهم من الأرض - فإذا كان يوم القيامة جئنا بكم ملتفين مجتمعين للحساب وفصل القضاء.

وليس ببعيد أن يكون المراد بوعد الآخرة ما ذكره الله سبحانه في أول السورة فيما قضى إلى بني إسرائيل بقوله:"فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا"وإن لم يذكره جمهور المفسرين فينعطف بذلك ذيل الكلام في السورة إلى صدره ، ويكون المراد أنا أمرناهم بعد غرق فرعون أن اسكنوا الأرض المقدسة التي كان يمنعكم منها فرعون والبثوا فيها حتى إذا جاء وعد الآخرة التي يلتف بكم فيها البلاء بالقتل والأسر والجلاء جمعناكم منها وجئنا بكم لفيفا ، وذلك إسارتهم وإجلاؤهم إلى بابل.

ويتضح على هذا الوجه نكتة تفرع قوله:"فإذا جاء وعد الآخرة"إلخ على قوله:"و قلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض"على خلاف الوجه السابق الذي لا يترتب فيه على التفريع نكتة ظاهرة.

قوله تعالى:"و بالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا"لما فرغ من التنظير رجع إلى ما كان عليه من بيان حال القرآن وذكر أوصافه فذكر أنه أنزله إنزالا مصاحبا للحق وقد نزل هو من عنده نزولا مصاحبا للحق فهو مصون من الباطل من جهة من أنزله فليس من لغو القول وهذره ولا داخله شيء يمكن أن يفسده يوما ولا شاركه فيه أحد حتى ينسخه في وقت من الأوقات وليس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا رسولا منه تعالى يبشر به وينذر وليس له أن يتصرف فيه بزيادة أو نقيصة أو يتركه كلا أو بعضا باقتراح من الناس أو هوى من نفسه أو يعرض عنه فيسأل الله آية أخرى فيها هواه أو هوى الناس أو يداهنهم فيه أو يسامحهم في شيء من معارفه وأحكامه كل ذلك لأنه حق صادر عن مصدر حق ، وما ذا بعد الحق إلا الضلال.

فقوله:"و ما أرسلناك"إلخ متمم للكلام السابق ، ومحصله أن القرآن آية حقة ليس لأحد أن يتصرف فيه شيئا من التصرف والنبي وغيره في ذلك سواء.

قوله تعالى:"و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا"معطوف على ما قبله أي أنزلناه بالحق وفرقناه قرآنا ، قال في المجمع ،: معنى فرقناه فصلناه ونزلناه آية آية وسورة سورة ويدل عليه قوله:"على مكث"والمكث - بضم الميم - والمكث - بفتحها - لغتان.

انتهى.

فاللفظ بحسب نفسه يعم نزول المعارف القرآنية التي هي عند الله في قالب الألفاظ والعبارات التي لا تتلقى إلا بالتدريج ولا تتعاطى إلا بالمكث والتؤدة ليسهل على الناس تعقله وحفظه على حد قوله:"إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف: 4.

ونزول الآيات القرآنية نجوما مفرقة سورة سورة وآية آية بحسب بلوغ الناس في استعداد تلقي المعارف الأصلية للاعتقاد والأحكام الفرعية للعمل واقتضاء المصالح ذلك ليقارن العلم العمل ولا يجمح عنه طباع الناس بأخذ معارفه وأحكامه واحدا بعد واحد كما لو نزل دفعة وقد نزلت التوراة دفعة فلم يتلقها اليهود بالقبول إلا بعد نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت