و أما الكهف الذي التجأ إليه واستخفى فيه أهل الكهف فجرى عليهم ما جرى فالناس فيه في اختلاف وقد ادعي ذلك في عدة مواضع.
أحدها: كهف إفسوس وإفسوس 1 هذا مدينة خربة أثرية واقعة في تركيا على مسافة 73 كيلو مترا من بلدة إزمير ، والكهف على مساحة كيلو متر واحد أو أقل من إفسوس بقرب قرية"اياصولوك"بسفح جبل"ينايرداغ".
وهو كهف وسيع فيه - على ما يقال - مات من القبور مبنية من الطوب وهو في سفح الجبل وبابه متجه نحو الجهة الشمالية الشرقية وليس عنده أثر من مسجد أو صومعة أو كنيسة ، وهذا الكهف هو الأعرف عند النصارى ، وقد ورد ذكره في عدة من روايات المسلمين.
وهذا الكهف على الرغم من شهرته البالغة - لا ينطبق عليه ما ورد في الكتاب العزيز من المشخصات.
أما أولا: فقد قال تعالى:"و ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال"وهو صريح في أن الشمس يقع شعاعها عند الطلوع على جهة اليمين من الكهف وعند الغروب على الجانب الشمالي منه ، ويلزمه أن يواجه باب الكهف جهة الجنوب ، وباب الكهف الذي في إفسوس متجه نحو الشمال الشرقي.
وهذا الأمر أعني كون باب كهف إفسوس متجها نحو الشمال وما ورد من مشخص إصابة الشمس منه طلوعا وغروبا هو الذي دعا المفسرين إلى أن يعتبروا يمين الكهف ويساره بالنسبة إلى الداخل فيه لا الخارج منه مع أنه المعروف المعمول - كما تقدم في تفسير الآية - قال البيضاوي في تفسيره ،: إن باب الكهف في مقابلة بنات النعش ، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأيمن وهو الذي يلي المغرب ، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبه ويحلل عفونته ويعدل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلي ثيابهم.
انتهى ونحو منه ما ذكره غيره.
على أن مقابلة الباب للشمال الشرقي لا للقطب الشمالي وبنات النعش كما ذكروه تستلزم عدم انطباق الوصف حتى على الاعتبار الذي اعتبروه فإن شعاع الشمس حينئذ يقع على الجانب الغربي الذي يلي الباب عند طلوعها وأما عند الغروب فالباب وما حوله مغمور تحت الظل وقد زال الشعاع بعيد زوال الشمس وانبسط الظل.
اللهم إلا أن يدعى أن المراد بقوله:"و إذا غربت تقرضهم ذات الشمال"عدم وقوع الشعاع أو وقوعه خلفهم لا على يسارهم هذا.
وأما ثانيا: فلأن قوله تعالى:"و هم في فجوة منه"أي في مرتفع منه ولا فجوة في كهف إفسوس - على ما يقال - وهذا مبني على كون الفجوة بمعنى المرتفع وهو غير مسلم وقد تقدم أنها بمعنى الساحة.
وأما ثالثا: فلأن قوله تعالى:"قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا"ظاهر في أنهم بنوا على الكهف مسجدا ، ولا أثر عند كهف إفسوس من مسجد أو صومعة أو نحوهما وأقرب ما هناك كنيسة على مسافة ثلاث كيلو مترات تقريبا ولا جهة تربطها بالكهف أصلا.
على أنه ليس هناك شيء من رقيم أو كتابة أو أمر آخر يشهد ولو بعض الشهادة على كون بعض هاتيك القبور وهي مآت هي قبور أصحاب الكهف أو أنهم لبثوا هناك صفة من الدهر راقدين ثم بعثهم الله ثم توفاهم.
الكهف الثاني: كهف رجيب وهذا الكهف واقع على مسافة ثمانية كيلو مترات من مدينة عمان عاصمة الأردن بالقرب من قرية تسمى رجيب والكهف في جبل محفورا على الصخرة في السفح الجنوبي منه ، وأطرافه من الجانبين الشرقي والغربي مفتوحة يقع عليه شعاع الشمس منها ، وباب الكهف يقابل جهة الجنوب وفي داخل الكهف صفة صغيرة تقرب من ثلاثة أمتار في مترين ونصف على جانب من سطح الكهف المعادل لثلاثة في ثلاثة تقريبا وفي الغار عدة قبور على هيئة النواويس البيزنطية كأنها ثمانية أو سبعة.
وعلى الجدران نقوش وخطوط باليوناني القديم والثمودي منمحية لا تقرأ وأيضا صورة كلب مصبوغة بالحمرة وزخارف وتزويقات أخرى.