و ذكروا أن المراد بالعين الحمئة العين ذات الحمأة وهي الطين الأسود وأن المراد بالعين البحر فربما تطلق عليه ، وأن المراد بوجدان الشمس تغرب في عين حمئة موقف على ساحل بحر لا مطمع في وجود بر وراءه فرأى الشمس كأنها تغرب في البحر لمكان انطباق الأفق عليه قيل: وينطبق هذه العين الحمئة على المحيط الغربي وفيه الجزائر الخالدات التي كانت مبدأ الطول سابقا ثم غرقت.
وقرىء"في عين حامية"أي حارة ، وينطبق على النقاط القريبة من خط الاستواء من المحيط الغربي المجاورة لإفريقية ولعل ذا القرنين في رحلته الغربية بلغ سواحل إفريقية.
قوله تعالى:"قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا"القول المنسوب إليه تعالى في القرآن يستعمل في الوحي النبوي وفي الإبلاغ بواسطة الوحي كقوله تعالى:"و قلنا يا آدم اسكن": البقرة: 35 وقوله:"و إذ قلنا ادخلوا هذه القرية": البقرة: 58 ، ويستعمل في الإلهام الذي ليس من النبوة كقوله"و أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه": القصص: 7.
وبه يظهر أن قوله:"قلنا يا ذا القرنين"إلخ لا يدل على كونه نبيا يوحى إليه لكون قوله تعالى أعم من الوحي المختص بالنبوة ولا يخلو قوله:"ثم يرد إلى ربه فيعذبه"إلخ حيث أورد في سياق الغيبة بالنسبة إليه تعالى من إشعار بأن مكالمته كانت بتوسط نبي كان معه فملكه نظير ملك طالوت في بني إسرائيل بإشارة من نبيهم وهدايته.
وقوله:"إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا"أي إما أن تعذب هؤلاء القوم وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن ، فحسنا مصدر بمعنى الفاعل قائم مقام موصوفه أو هو وصف للمبالغة ، وقد قيل: إن في مقابلة العذاب باتخاذ الحسن إيماء إلى ترجيحه والكلام ترديد خبري بداعي الإباحة فهو إنشاء في صورة الإخبار ، والمعنى لك أن تعذبهم ولك أن تعفو عنهم كما قيل ، لكن الظاهر أنه استخبار عما سيفعله بهم من سياسة أو عفو ، وهو الأوفق بسياق الجواب المشتمل على التفصيل بالتعذيب والإحسان"أما من ظلم فسوف نعذبه"إلخ إذ لو كان قوله:"إما أن تعذب"إلخ حكما تخييريا لكان قوله:"أما من ظلم"إلخ تقريرا له وإيذانا بالقبول ولا كثير فائدة فيه.
ومحصل المعنى: استخبرناه ما ذا تريد أن تفعل بهم من العذاب والإحسان وقد غلبتهم واستوليت عليهم؟ فقال: نعذب الظالم منهم ثم يرد إلى ربه فيعذبه العذاب النكر ، ونحسن إلى المؤمن الصالح ونكلفه بما فيه يسر.
ولم يذكر المفعول في قوله:"إما أن تعذب"بخلاف قوله:"إما أن تتخذ فيهم حسنا"لأن جميعهم لم يكونوا ظالمين ، وليس من الجائز تعميم العذاب لقوم هذا شأنهم بخلاف تعميم الإحسان لقوم فيهم الصالح والطالح.
قوله تعالى:"أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا"النكر والمنكر غير المعهود أي يعذبه عذابا لا عهد له به ، ولا يحتسبه ويترقبه.
وقد فسر الظلم بالإشراك.
والتعذيب بالقتل فمعنى"أما من ظلم فسوف نعذبه"أما من أشرك ولم يرجع عن شركه فسوف نقتله ، وكأنه مأخوذ من مقابلة"من ظلم"بقوله:"من آمن وعمل صالحا"لكن الظاهر من المقابلة أن يكون المراد بالظالم أعم ممن أشرك ولم يؤمن بالله أو آمن ولم يشرك لكنه لم يعمل صالحا بل أفسد في الأرض ، ولو لا تقييد مقابله بالإيمان لكان ظاهر الظلم هو الإفساد من غير نظر إلى الشرك لأن المعهود من سيرة الملوك إذا عدلوا أن يطهروا أرضهم من فساد المفسدين ، وكذا لا دليل على تخصيص التعذيب بالقتل.
قوله تعالى:"و أما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى"إلخ"صالحا"وصف أقيم مقام موصوفه وكذا الحسنى ، و"جزاء"حال أو تمييز أو مفعول مطلق والتقدير: وأما من آمن وعمل عملا صالحا فله المثوبة الحسنى حال كونه مجزيا أو من حيث الجزاء أو نجزيه جزاء.
وقوله:"و سنقول له من أمرنا يسرا"اليسر بمعنى الميسور وصف أقيم مقام موصوفه والظاهر أن المراد بالأمر الأمر التكليفي وتقدير الكلام وسنقول له قولا ميسورا من أمرنا أي نكلفه بما يتيسر له ولا يشق عليه.
قوله تعالى:"ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس"إلخ أي ثم هيأ سببا للسير فسار نحو المشرق حتى إذا بلغ الصحراء من الجانب الشرقي فوجد الشمس تطلع على قوم بدويين لم نجعل لهم من دونها سترا.