فكان عليهم - على هذا أن يقرروا للسد وصفه هذا فإن كانت هذه الأمة المذكورة هي التتر وقد ساروا من شمال الصين إلى إيران والعراق والشام وقفقاز إلى آسيا الصغرى فأين كان هذا السد الموصوف في القرآن الذي وطئوه ثم طلعوا منه إلى هذه البلاد وجعلوا عاليها سافلها؟.
وإن لم تكن هي التتر أو غيرها من الأمم المهاجمة في طول التاريخ فأين هذا السد المشيد بالحديد ومن صفته أنه يحبس أمة كبيرة منذ ألوف من السنين من أن تهجم على سائر أقطار الأرض ولا مخرج لهم إلى سائر الدنيا دون السد المضروب دونهم وقد ارتبطت اليوم بقاع الأرض بعضها ببعض بالخطوط البرية والبحرية والهوائية وليس يحجز حاجز طبيعي كجبل أو بحر أو صناعي كسد أو سور أو خندق أمة من أمة فأي معنى لانصداد قوم عن الدنيا بسد بين جبلين بأي وصف وصف وعلى أي نحو فرض؟.
والذي أرى في دفع هذا الإشكال - والله أعلم - أن قوله:"دكاء"من الدك بمعنى الذلة ، قال في لسان العرب: وجبل دك: ذليل.
انتهى.
والمراد بجعل السد دكاء جعله ذليلا لا يعبأ بأمره ولا ينتفع به من جهة اتساع طرق الارتباط وتنوع وسائل الحركة والانتقال برا وبحرا وجوا.
فحقيقة هذا الوعد هو الوعد برقي المجتمع البشري في مدنيته ، واقتراب شتى أممه إلى حيث لا يسده سد ولا يحوطه حائط عن الانتقال من أي صقع من أصقاع الأرض إلى غيره ولا يمنعه من الهجوم والزحف إلى أي قوم شاءوا.
ويؤيد هذا المعنى سياق قوله تعالى في موضع آخر يذكر فيه هجوم يأجوج ومأجوج"حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون"حيث عبر بفتح يأجوج ومأجوج ولم يذكر السد.
وللدك معنى آخر وهو الدفن بالتراب ففي الصحاح: ، دككت الركي - وهو البئر - دفنته بالتراب انتهى ، ومعنى آخر وهو صيرورة الجبل رابية من طين ، قال في الصحاح ، وتدكدكت الجبال أي صارت روابي من طين واحدتها دكاء انتهى.
فمن الممكن أن يحتمل أن السد من جملة أبنية العهود القديمة التي ذهبت مدفونة تحت التراب عن رياح عاصفة أو غريقة بانتقال البحار أو اتساع بعضها على ما تثبتها الأبحاث الجيولوجية ، وبذلك يندفع الإشكال لكن الوجه السابق أوجه والله أعلم.