فهرس الكتاب

الصفحة 2817 من 4314

قلت: الإشكال مبني على كون قوله:"فهب لي من لدنك وليا يرثني"مسوقا لبيان طلب الوراثة المالية لولده والواقع خلافه فليس المقصود من قوله:"وليا يرثني"بالقصد الأول إلا طلب الولد كما هو الظاهر أيضا من قوله في سورة آل عمران:"هب لي من لدنك ذرية"وقوله في موضع آخر:"رب لا تذرني فردا": الأنبياء: 89.

وإنما قوله:"يرثني"قرينة معينة لكون المراد بالولي في الكلام ولاية الإرث التي تنطبق على الولد لكون الولاية معنى عاما ذا مصاديق مختلفة لا يتعين واحد منها إلا بقرينة معينة كما قيدت بالنصرة في قوله:"و ما كان لهم من أولياء ينصرونهم": الشورى: 46 ، والمراد به ولاية النصرة ، وقيدت بالأمر والنهي في قوله:"و المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر": التوبة: 71 ، والمراد ولاية التدبير.

إلى غير ذلك.

ولو لا أن المراد به الوراثة المالية وأنها قرينة معينة لم يبق في الكلام ما يدل على طلب الولد الذي هو المقصود الأصلي بالدعاء فإن وراثة العلم أو النبوة أو العبادة والكرامة لا إشعار فيها بكون الوارث هو الولد كما اعترف به بعض من حمل الوراثة في الآية على شيء من هذه المعاني فيبقى الدعاء خاليا عن الدلالة على المطلوب الأصلي وكفى به سقوطا للكلام.

وبالجملة ، العناية إنما هي متعلقة بإفادة طلب الولد ، وأما الوراثة المالية فليست مقصودة بالقصد الأول وإنما هي قرينة معينة لكون المراد بالولي هو الولد نعم هي في نفسها تدل على أنه لو كان له ولد لورثه ماله ، وليس في ذلك ولا في قوله:"و إني خفت الموالي من ورائي"وحاله حال قوله:"وليا يرثني"دلالة على تعلق قلبه (عليه السلام) بالدنيا الفانية ولا بزخارف حياتها التي هي متاع الغرور.

وأما طلب الولد فهو مما فطر الله عليه النوع الإنساني سواء في ذلك الصالح والطالح والنبي ومن دونه وقد جهز الجميع بجهاز التوالد والتناسل وغرز فيهم ما يدعوهم إليه ، فالواحد منهم لو لم ينحرف طباعه ينساق إلى طلب الولد ويرى بقاء ولده بعده بقاء لنفسه واستيلاءهم على ما كان مستوليا عليه من أمتعة الحياة - وهذا هو الإرث - استيلاء نفسه وعيش شخصه هذا.

والشرائع الإلهية لم تبطل هذا الحكم الفطري ولا ذمت هذه الداعية الغريزية بل مدحته وندبت إليه ، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على ذلك كقوله تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه السلام) :"رب هب لي من الصالحين": الصافات: 100 ، وقوله:"الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء": إبراهيم: 39"، وقوله حكاية عن المؤمنين:"ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين": الفرقان: 74 إلى غير ذلك من الآيات."

فإن قلت: ما تقدم من الوجه في معنى الوراثة كان مبنيا على أن يستفاد من قوله:"هنالك دعا زكريا ربه"الآية ، أن الذي دعاه إلى طلب الولد هو ما شاهده من عبادة مريم وكرامتها عند الله سبحانه فأحب أن يرزق ولدا يماثلها في العبادة والكرامة لكن يمكن أن يكون داعيه غير ذلك فقد ورد في بعض الآثار أن زكريا كان يجد عند مريم فواكه في غير موسمها ثمرة الشتاء في الصيف وثمرة الصيف في الشتاء فقال في نفسه: إذا كان الله لا يعز عليه أن يرزقها ثمرة الشتاء في الصيف وثمرة الصيف في الشتاء لم يعز عليه أن يرزقني ولدا في غير وقته وأنا شيخ فان وامرأتي عاقر فقال: هب لي من لدنك وليا يرثني"."

فمشاهدة الثمرة في غير موسمها بعثه إلى طلب الولد في غير وقته لكن هذا النبي الكريم أجل من أن يطلب الولد ليرث ماله فهو إنما طلبه ليرث النبوة أو العلم أو العبادة والكرامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت