فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 4314

و ربما يقال: إن الآية ليست بناسخة لعدم وجود حكم تحريمي في آيات الصوم بالنسبة إلى الجماع أو إلى الأكل والشرب ، بل الظاهر كما يشعر به بعض الروايات المروية من طرق أهل السنة والجماعة ، أن المسلمين لما نزل حكم فرض الصوم وسمعوا قوله تعالى: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم الآية ، فهموا منه التساوي في الأحكام من جميع الجهات ، وقد كانت النصارى كما قيل: إنما ينكحون ويأكلون ويشربون في أول الليل ثم يمسكون بعد ذلك فأخذ بذلك المسلمون ، غير أن ذلك صعب عليهم ، فكان الشبان منهم لا يكفون عن النكاح سرا مع كونهم يرونه معصية وخيانة لأنفسهم ، والشيوخ ربما أجهدهم الكف عن الأكل والشرب بعد النوم ، وربما أخذ بعضهم النوم فحرم عليه الأكل والشرب بزعمه فنزلت الآية فبينت أن النكاح والأكل والشرب غير محرمة عليهم بالليل في شهر رمضان ، وظهر بذلك: أن مراد الآية بالتشبيه في قوله تعالى: كما كتب على الذين من قبلكم ، التشبيه في أصل فرض الصوم لا في خصوصياته ، وأما قوله تعالى: أحل لكم فلا يدل على سبق حكم تحريمي بل على مجرد تحقق الحلية كما في قوله تعالى:"أحل لكم صيد البحر:"المائدة - 96 ، إذ من المعلوم أن صيد البحر لم يكن محرما على المحرمين قبل نزول الآية ، وكذا قوله تعالى:"علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم"، إنما يعني به أنهم كانوا يخونون بحسب زعمهم وحسبانهم ذلك خيانة ومعصية ، ولذا قال: تختانون أنفسكم ولم يقل: تختانون الله كما قال:"لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم:"الأنفال - 27 ، مع احتمال أن يراد بالاختيان النقص ، والمعنى علم الله أنكم كنتم تنقصون أنفسكم حظوظها من المشتهيات من نكاح وغيره ، وكذا قوله تعالى: فتاب عليكم وعفا عنكم ، غير صريح في كون النكاح معصية محرمة هذا.

وفيه ما عرفت: أن ذلك خلاف ظاهر الآية فإن قوله تعالى: أحل لكم ، وقوله: كنتم تختانون أنفسكم ، وقوله: فتاب عليكم وعفا عنكم ، وإن لم تكن صريحة في النسخ غير أن لها كمال الظهور في ذلك ، مضافا إلى قوله تعالى: فالآن باشروهن"إلخ"، إذ لو لم يكن هناك إلا جواز مستمر قبل نزول الآية وبعدها لم يكن لهذا التعبير وجه ظاهر ، وأما عدم اشتمال آيات الصوم السابقة على هذه الآية على حكم التحريم فلا ينافي كون الآية ناسخة فإنها لم تبين سائر أحكام الصوم أيضا مثل حرمة النكاح والأكل والشرب في نهار الصيام ، ومن المعلوم أن رسول الله كان قد بينه للمسلمين قبل نزول هذه الآية فلعله كان قد بين هذا الحكم فيما بينه من الأحكام ، والآية تنسخ ما بينه الرسول وإن لم تشتمل كلامه تعالى على ذلك.

فإن قلت: قوله تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ، يدل على سبب تشريع جواز الرفث فلا بد أن لا يعم الناسخ والمنسوخ لبشاعة أن يعلل النسخ بما يعم الناسخ والمنسوخ معا وإن قلنا: إن هذه التعليلات الواقعة في موارد الأحكام حكم ومصالح لا علل ، ولا يلزم في الحكمة أن تكون جامعة ومانعة كالعلل فلو كان الرفث محرما قبل نزول الآية ثم نسخ بالآية المحللة لم يصلح تعليل نسخ التحريم بأن الرجال لباس للنساء وهن لباس لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت