فهرس الكتاب

الصفحة 2862 من 4314

و معنى كونه تعالى مشرعا آمرا وناهيا هو أنه تعالى قدر وجودنا في نظام متقن يربطه إلى غايات هي سعادتنا وفيها خير دنيانا وآخرتنا وهي المسماة بالمصالح ونظم أسباب وجودنا وجهازات أنفسنا نظما لا يلائم إلا مسيرا خاصا في الحياة من أفعال وأعمال هي الملاءمة لمصالح وجودنا لا غير فأسباب الوجود والجهازات المجهزة والأوضاع والأحوال الحافة بنا تدفعنا إلى مصالح وجودنا ومصالح الوجود تدعونا إلى أعمال خاصة تلائمها ومسير في الحياة تسوقنا إلى كمال الوجود وسعادة الحياة وإن شئت فقل: تندبنا إلى قوانين وسنن في العمل بها والجري عليها خير الدنيا والآخرة.

وهذه القوانين التي تهتف بها الفطرة ويعلمها الوحي السماوي هي الشريعة وإذ هي تنتهي إليه تعالى فالأمر الذي فيها أمره والنهي الذي فيها نهيه وكل حكم فيها حكمه ، وفيها أمور يرى اتصاف الفعل بها حسنا على كل حال كالعدل فهو يرتضيها لفعله كما يرتضيها لأفعالنا ، وأمور يستقبحها ويستشنعها ويذم أفعالا اتصفت بها كالظلم فهو لا يرتضيها لفعله كما لا يرتضيها لأفعالنا وهكذا.

فلا ضير في وجوب شيء عليه تعالى وجوبا تشريعيا إذا كان هو المشرع على نفسه ، وهذه أحكام اعتبارية متقررة في ظرف الاعتبار العقلي وحقيقتها أن من سنته تعالى التكوينية أن يريد ويفعل أمورا إذا عرضت على العقل عنونها بعنوان العدل ، وإن لا يصدر عن ساحته أعمال إذا عرضت على العقل عنونها بعنوان الظلم فافهم ذلك.

الثاني: أن هذا الوجوب تشريعي وهناك وجوب آخر تكويني يعتمد عليه هذا الوجوب وهو ضرورة ترتب المعلولات على عللها في النظام العام من غير تخلف المنتزع عنها معنى العدل.

وقد التبس الأمر على كثير من الباحثين فزعموا كون هذا الوجوب تكوينيا وقرروه بأن القدرة الواجبية مطلقة متساوية النسبة إلى فعل القبيح وتركه مثلا لكنه تعالى لا يفعل القبيح لحكمته البتة فترك القبيح ضروري بالنسبة إلى حكمته وإن كان ممكنا بالنسبة إلى قدرته وهذه الضرورة ضرورة حقيقية كضرورة قولنا: الواحد نصف الاثنين بالضرورة غير الوجوب الاعتباري يعتبر في الأوامر المولوية هذا.

والمغالطة فيه بينة فإن ترك القبيح إذا كان ممكنا بالنسبة إلى القدرة والقدرة عين الذات كان ممكنا بالنسبة إلى الذات وصفة الحكمة حينئذ إن كانت عين الذات كان ترك القبيح ضروريا ممكنا معا بالنسبة إلى الذات وليس إلا التناقض ، وإن كانت غير الذات فإن كانت أمرا عينيا وقد جعلت الترك ضروريا للذات بعد ما كان ممكنا لزم تأثير غير الذات الواجبية فيها وهو تناقض آخر وقد عدلوا عن القول بالوجوب التشريعي إلى القول بالوجوب التكويني فرارا من لزوم حكومة غيره تعالى فيه بالأمر والنهي ، وإن كانت أمرا انتزاعيا فكونها منتزعة من الذات يؤدي إلى التناقض الأول المذكور ، وكونها منتزعة من غيرها إلى التناقض الثاني فإن الحكم الحقيقي في الأمور الانتزاعية لمنشإ انتزاعها.

والمغالطة إنما نشأت من أخذ الفعل ضروريا بالنسبة إلى الذات بعد انضمام الحكمة إليها فإن الذات إن أخذت علة تامة للفعل كانت النسبة هي الضرورة قبل الانضمام وبعدها دون الإمكان وإن أخذت جزءا من العلة التامة وإنما تتم بانضمام أمر أو أمور إليها كان الفعل بالنسبة إليها ممكنا لا ضروريا وإن كان بالنسبة إلى علته التامة المجتمعة من الذات وغيرها ضروريا لا ممكنا.

والثالث: أن قولنا: يجب عليه كذا ولا يجوز عليه كذا حكم عقلي ، والعقل في ذلك حاكم قاض لا مدرك آخذ بمعنى أن الحكم الذي في القضية فعل قائم بالعقل مجعول له لا أمر قائم بنفسه يحكيه العقل نوعا من الحكاية كما وقع في لسان بعضهم قائلين إن من شأنه الإدراك دون الحكم.

وذلك أن العقل الذي كلامنا فيه هو العقل العملي الذي موطن عمله العمل من حيث ينبغي أو لا ينبغي ويجوز أو لا يجوز ، والمعاني التي هذا شأنها أمور اعتبارية لا تحقق لها في الخارج عن موطن التعقل والإدراك فكان هذا الثبوت الإدراكي بعينه فعلا للعقل قائما به وهو معنى الحكم والقضاء ، وأما العقل النظري الذي موطن عمله المعاني الحقيقية غير الاعتبارية تصورا أو تصديقا فإن لمدركاته ثبوتا في نفسها مستقلا عن العقل فلا يبقى للعقل عند إدراكها إلا أخذها وحكايتها وهو الإدراك فحسب دون الحكم والقضاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت