و الاستثناء في قوله:"إلا تذكرة"استثناء منقطع - على ما قالوا - والمعنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب به نفسك ولكن ليكون مذكرا يتذكر به من من شأنه أن يخشى فيخشى فيؤمن بالله ويتقي.
فالسياق على رسله يستدعي كون"تذكرة"مصدرا بمعنى الفاعل ومفعولا له لقوله:"ما أنزلنا"كما يستدعي كون قوله:"تنزيلا"بمعنى اسم المفعول حالا من ضمير"تذكرة"الراجع إلى القرآن ، والمعنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب به نفسك ولكن لتذكر الخاشعين بكلام إلهي منزل من عنده.
وقوله:"تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى"العلى جمع عليا مؤنث أعلى كفضلى وفضل ، واختيار خلق الأرض والسماوات صلة للموصول وبيانا لإبهام المنزل لمناسبته معنى التنزيل الذي لا يتم إلا بعلو وسفل يكونان مبدأ ومنتهى لهذا التسيير ، وقد خصصا بالذكر دون ما بينهما إذ لا غرض يتعلق بما بينهما وإنما الغرض بيان مبدإ التنزيل ومنتهاه بخلاف قوله: له ما في السماوات والأرض وما بينهما"إذ الغرض بيان شمول الملك للجميع."
قوله تعالى:"الرحمن على العرش استوى"استئناف يذكر فيه مسألة توحيد الربوبية التي هي مخ الغرض من الدعوة والتذكرة وذلك في أربع آيات"الرحمن - إلى قوله - له الأسماء الحسنى".
وقد تقدم في قوله تعالى"ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار": الأعراف: 54 ، أن الاستواء على العرش كناية عن الاحتواء على الملك والأخذ بزمام تدبير الأمور وهو فيه تعالى - على ما يناسب ساحة كبريائه وقدسه - ظهور سلطنته على الكون واستقرار ملكه على الأشياء بتدبير أمورها وإصلاح شئونها.
فاستواؤه على العرش يستلزم إحاطة ملكه بكل شيء وانبساط تدبيره على الأشياء سماويها وأرضيها جليلها ودقيقها خطيرها ويسيرها ، فهو تعالى رب كل شيء المتوحد بالربوبية إذ لا نعني بالرب إلا المالك للشيء المدبر لأمره ، ولذلك عقب حديث الاستواء على العرش بحديث ملكه لكل شيء وعلمه بكل شيء وذلك في معنى التعليل والاحتجاج على الاستواء المذكور.
ومعلوم أن"الرحمن"وهو مبالغة من الرحمة التي هي الإفاضة بالإيجاد والتدبير وهو يفيد الكثرة أنسب بالنسبة إلى الاستواء من سائر الأسماء والصفات ولذلك اختص من بينها بالذكر.
وقد ظهر بما تقدم أن"الرحمن"مبتدأ خبره"استوى"و"على العرش"متعلق بقوله"استوى"والمراد بيان الاستواء على العرش وهذا هو المستفاد أيضا من سائر الآيات فقد تكرر فيها حديث الاستواء على العرش كقوله:"ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار:"الأعراف: 54 ، وقوله:"ثم استوى على العرش يدبر الأمر:"يونس: 3 ، وقوله:"ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي:"الم السجدة: 4 ، وقوله:"ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض": الحديد: 4 ، إلى غير ذلك.
وبذلك يتبين فساد ما نسب إلى بعضهم أن قوله"الرحمن على العرش"مبتدأ وخبر ثم قوله"استوى"فعل فاعله"ما في السماوات"وقوله"له"متعلق بقوله:"استوى"والمراد باستواء كل شيء له تعالى جريها على ما يوافق إرادته وانقيادها لأمره.
وقد أشبعنا الكلام في معنى العرش في ذيل الآية 54 من سورة الأعراف في الجزء الثامن من الكتاب ، وسيأتي بعض ما يختص بالمقام في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى"الثرى على ما قيل: هو التراب الرطب أو مطلق التراب ، فالمراد بما تحت الثرى ما في جوف الأرض دون التراب ويبقى حينئذ لما في الأرض ما على بسيطها من أجزائها وما يعيش فيها مما نعلمه ونحس به كالإنسان وأصناف الحيوان والنبات وما لا نعلمه ولا نحس به.
وإذا عم الملك ما في السماوات والأرض ومن ذلك أجزاؤهما عم نفس السماوات والأرض فليس الشيء إلا نفس أجزائه.
وقد بين في هذه الآية أحد ركني الربوبية وهو الملك ، فإن معنى الربوبية كما تقدم آنفا هو الملك والتدبير.