فهرس الكتاب

الصفحة 2904 من 4314

و كيف كان لما رأى فرعون وأياديه تنازع القوم - وفيه خزيهم وخذلانهم - أسروهم النجوى ولم يكلموهم فيما ألقاه إليهم موسى من الحكمة والموعظة بل عدلوا عن ذلك إلى ما اتهمه فرعون بالسحر وطرح خطة سياسية لإخراج أمة القبط من أرضهم ولا ترضى الأمة بذلك ففيه خروج من ديارهم وأموالهم وسقوط من أوج سعادتهم إلى حضيض الشقاء وهم يرون ما يقاسيه بنو إسرائيل بينهم.

وأضافوا إلى ذلك أمرا آخر أمر من الجلاء والخروج من الديار والأموال وهو ذهاب طريقتهم المثلى وسنتهم القومية التي هي ملة الوثنية الحاكمة فيهم قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل وقد اشتد بها عظمهم ونبت عليها لحمهم والعامة تقدس السنن القومية وخاصة ما اعتادت عليها وأذعنت بأنها سنن ظاهرة سماوية.

وهذا بالحقيقة إغراء لهم على التثبت والاستقامة على ملة الوثنية لكن لا لأنها دين حق لا شبهة فيه فإن حجة موسى أوضحت فسادها وكشفت عن بطلانها بل بعنوان أنها سنة ملية مقدسة تعتمد عليها مليتهم وتستند إليها شوكتهم وعظمتهم وتعتصم بها حياتهم فلو اختلفوا وتركوا مقابلة موسى واستعلى هو عليهم كان في ذلك فناؤهم بالمرة.

فالرأي هو أن يجمعوا كل كيد لهم ثم يدعوا الاختلاف ويأتوا صفا حتى يستعلوا وقد أفلح اليوم من استعلى.

فأكدوا عليهم القول بالتسويل أن يتحدوا ويتفقوا ولا يهنوا في حفظ ملتهم ومدنيتهم ويكروا على عدوهم كرة رجل واحد ، وشفع ذلك فرعون بمواعد جميلة وعدهم إياها كما يظهر من قوله تعالى في موضع آخر:"قالوا لفرعون أ ئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ، قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين:"الشعراء: 42.

وبأي وجه كان من ترغيب وترهيب حملوهم على أن يثبتوا ويواجهوا موسى بمغالبته.

هذا ما يعطيه التدبر في معنى الآيات بالاستمداد من السياق والقرائن المتصلة والشواهد المنفصلة ، وعلى ذلك فقوله:"فتنازعوا أمرهم بينهم"إشارة إلى اختلافهم إثر موعظة موسى وما أومأ إليه من الحجة.

وقوله:"و أسروا النجوى"إشارة إلى مسارتهم في أمر موسى واجتهادهم في رفع الاختلاف الناشىء من استماعهم وعظ موسى (عليه السلام) ، وقوله:"قالوا إن هذان لساحران يريدان"إلخ ، بيان النجوى الذي أسروه فيما بينهم وقد مر توضيح معناه.

وقوله:"إن هذان لساحران"القراءة المعروفة"إن"بكسر الهمزة وسكون النون وهي"إن"المشبهة بالفعل خففت فألغيت عن العمل بنصب الاسم ورفع الخبر.

قوله تعالى:"قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى"إلى آخر الآية التالية ، الحبال جمع حبل والعصي جمع عصا ، وقد كان السحرة استعملوها ليصوروا بها في أعين الناس حيات وثعابين أمثال ما كان يظهر من عصا موسى (عليه السلام) .

وهنا حذف وإيجاز كأنه قيل فأتوا الموعد وقد حضره موسى فقيل فما فعلوا؟ فقيل:"قالوا يا موسى إما أن تلقي - أي عصاك - وإما أن نكون أول من ألقى"وهذا تخيير منهم لموسى بين أن يبدأ بالإلقاء أو يصبر حتى يلقوا ثم يأتي بما يأتي ،"قال موسى: بل ألقوا"فأخلى لهم الظرف كي يأتوا بما يأتون به وهو معتمد على ربه واثق بوعده من غير قلق واضطراب وقد قال له ربه فيما قال:"إنني معكما أسمع وأرى".

وقوله:"فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى"فيه حذف ، والتقدير: فألقوا وإذا حبالهم وعصيهم إلخ ، وإنما حذف لتأكيد المفاجاة كأنه (عليه السلام) لما قال لهم: بل ألقوا ، لم يلبث دون أن شاهد ما شاهد من غير أن يتوسط هناك إلقاؤهم الحبال والعصي.

والذي خيل إلى موسى خيل إلى غيره من الناظرين من الناس كما ذكره في موضع آخر:"سحروا أعين الناس واسترهبوهم:"الأعراف: 116 ، غير أنه ذكر هاهنا موسى من بينهم وكان ذلك ليكون تمهيدا لما في الآية التالية.

قوله تعالى:"فأوجس في نفسه خيفة موسى"قال الراغب في المفردات ،: الوجس الصوت الخفي ، والتوجس التسمع ، والإيجاس وجود ذلك في النفس ، قال:"فأوجس منهم خيفة"فالوجس هو حالة تحصل من النفس بعد الهاجس لأن الهاجس مبتدأ التفكير ثم يكون الواجس الخاطر.

انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت