و قيل: المراد زرقة أبدانهم من التعب والعطش ، وقيل: زرقة عيونهم لأن أسوأ ألوان العين وأبغضها عند العرب زرقتها ، وقيل: المراد به كونهم عطاشا لأن العطش الشديد يغير سواد العين ويريها كالأزرق وهي وجوه غير مرضية.
قوله تعالى:"يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا - إلى قوله - إلا يوما"التخافت تكليم القوم بعضهم بعضا بخفض الصوت وذلك من أهل المحشر لهول المطلع ، وقوله:"إن لبثتم إلا عشرا"بيان لكلامهم الذي يتخافتون فيه ، ومعنى الجملة على ما يعطيه السياق: يقولون ما لبثتم في الدنيا قبل الحشر إلا عشرة أيام ، يستقلون لبثهم فيها بقياسه إلى ما يلوح لهم من حكم الخلود والأبدية.
وقوله:"نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما"أي لنا إحاطة علمية بجميع ما يقولون في تقرير لبثهم إذ يقول أمثلهم طريقة أي الأقرب منهم إلى الصدق إن لبثتم في الأرض إلا يوما وإنما كان قائل هذا القول أمثل القوم طريقة وأقربها إلى الصدق لأن اللبث المحدود الأرضي لا مقدار له إذا قيس من اللبث الأبدي الخالد ، وعده يوما وهو أقل من العشرة أقرب إلى الواقع من عده عشرة ، والقول مع ذلك نسبي غير حقيقي وحقيقة القول فيه ما حكاه سبحانه في قوله:"و قال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون:"الروم: 56 ، وسيجيء استيفاء البحث في معنى هذا اللبث في تفسير الآية إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"و يسألونك عن الجبال - إلى قوله - ولا أمتا"تدل الآية على أنهم سألوه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حال الجبال يوم القيامة فأجيب عنه بالآيات.
وقوله:"فقل ينسفها ربي نسفا"أي يذرؤها ويثيرها فلا يبقى منها في مستقرها شيء ، وقوله:"فيذرها قاعا صفصفا"القاع الأرض المستوية والصفصف الأرض المستوية الملساء ، والمعنى فيتركها أرضا مستوية ملساء لا شيء عليها ، وكأن الضمير للأرض باعتبار أنها كانت جبالا ، وقوله:"لا ترى فيها عوجا ولا أمتا"قيل: العوج ما انخفض من الأرض والأمت ما ارتفع منها ، والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد كل من له أن يرى والمعنى لا يرى راء فيها منخفضا كالأودية ولا مرتفعا كالروابي والتلال.
قوله تعالى:"يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا"نفي العوج إن كان متعلقا بالاتباع - بأن يكون"لا عوج له"حالا عن ضمير الجمع وعامله يتبعون - فمعناه أن ليس لهم إذا دعوا إلا الاتباع محضا من غير أي توقف أو استنكاف أو تثبط أو مساهلة فيه لأن ذلك كله فرع القدرة والاستطاعة أو توهم الإنسان ذلك لنفسه وهم يعاينون اليوم أن الملك والقدرة لله سبحانه لا شريك له قال تعالى:"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار:"المؤمن: 16 ، وقال:"و لو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا:"البقرة: 165.
وإن كان متعلقا بالداعي كان معناه أن الداعي لا يدع أحدا إلا دعاه من غير أن يهمل أحدا بسهو أو نسيان أو مساهلة في الدعوة.
لكن تعقيب الجملة بقوله:"و خشعت الأصوات للرحمن"إلخ يناسب المعنى الأول فإن ارتفاع الأصوات عند الدعوة والإحضار إنما يكون للتمرد والاستكبار عن الطاعة والاتباع.
وقوله:"و خشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا قال الراغب: الهمس الصوت الخفي وهمس الأقدام أخفى ما يكون من صوتها قال تعالى:"فلا تسمع إلا همسا"."
انتهى.
والخطاب في قوله:"لا تسمع"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد كل سامع يسمع والمعنى وانخفضت الأصوات لاستغراقهم في المذلة والمسكنة لله فلا يسمع السامع إلا صوتا خفيا.
قوله تعالى:"يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا"نفي نفع الشفاعة كناية عن أن القضاء بالعدل والحكم الفصل على حسب الوعد والوعيد الإلهيين جار نافذ يومئذ من غير أن يسقط جرم مجرم أو يغمض عن معصية عاص لمانع يمنع منه فمعنى نفع الشفاعة تأثيرها.