و قوله:"إلا استمعوه"استثناء مفرغ عن جميع أحوالهم و"استمعوه"حال و"هم يلعبون""لاهية قلوبهم"حالان من ضمير الجمع في"استمعوه"فهما حالان متداخلتان.
واللعب فعل منتظم الأجزاء لا غاية له إلا الخيال كلعب الأطفال واللهو اشتغالك عما يهمك يقال: ألهاه كذا أي شغله عما يهمه ولذلك تسمى آلات الطرب آلات اللهو وملاهي ، واللهو من صفة القلب ولذلك قال:"لاهية قلوبهم"فنسبه إلى قلوبهم.
ومعنى الآية: وما يأتيهم - بالنزول والبلوغ - ذكر جديد من ربهم في حال من الأحوال إلا والحال أنهم لاعبون لاهية قلوبهم فاستمعوه فيها أي إن إحداث الذكر وتجديده لا يؤثر فيهم ولا أثرا قليلا ولا يمنعهم عن الاشتغال بلعب الدنيا عما وراءها وهذا كناية عن أن الذكر لا يؤثر فيهم في حال لا أن جديده لا يؤثر وقديمه يؤثر وهو ظاهر.
واستدل بظاهر الآية على كون القرآن محدثا غير قديم ، وأولها الأشاعرة بأن توصيف الذكر بالمحدث من جهة نزوله وهو لا ينافي قدمه في نفسه وظاهر الآية عليهم وللكلام تتمة نوردها في بحث مستقل.
كلام في معنى حدوث الكلام وقدمه في فصول
1 -ما معنى حدوث الكلام وبقائه؟
إذا سمعنا كلاما من متكلم كشعر من شاعر لم نلبث دون أن ننسبه إليه ثم إذا كرره وتكلم بمثله ثانيا لم نرتب في أنه هو كلامه الأول بعينه أعاده ثانيا ثم إذا نقل ناقل عنه ذلك حكمنا بأنه كلام ذلك القائل الأول بعينه ثم كلما تكرر النقل كان المنقول من الكلام هو بعينه الكلام الأول الصادر من المتكلم الأول وإن تكرر إلى ما لا نهاية له.
هذا بالبناء على ما يقضي به الفهم العرفي لكنا إذا أمعنا في ذلك قليل إمعان وجدنا حقيقة الأمر على خلاف ذلك فقول القائل: جاءني زيد مثلا ليس كلاما واحدا لأن فيه الجيم أو الألف أو الهمزة فإن كل واحدة منها فرد من أفراد الصوت المتكون من اعتماد نفس المتكلم على مخرج من مخارج فمه ، والمجموع أصوات كثيرة ليست بواحدة البتة إلا بحسب الوضع والاعتبار.
ثم إن الذي تكلم به قائل القول الأول ثانيا والذي تكلم به الناقل الذي ينقله عن صاحبه الأول ثالثا ورابعا وغير ذلك أفراد أخر من الصوت مماثلة لما في الكلام الأول المفروض من الأصوات المتكونة وليست عينها إلا بحسب الاعتبار وضرب من التوسع.
وليست هذه الأصوات كلاما إلا من حيث إنها علائم وأمارات بحسب الوضع والاعتبار تدل على معان ذهنية ، ولا واحدا إلا باعتبار تعلق غرض واحد بها.
ويتحصل بذلك أن الكلام بما أنه كلام أمر وضعي اعتباري لا تحقق له في الخارج من ظرف الدعوى والاعتبار ، وإنما المتحقق في الخارج حقيقة الأفراد من الصوت التي جعلت علائم بالوضع والاعتبار بما أنها أصوات لا بما أنها علائم مجعولة ، وإنما ينسب التحقق إلى الكلام بنوع من العناية.
ومن هنا يظهر أن الكلام لا يتصف بشيء من الحدوث والبقاء فإن الحدوث وهو مسبوقية الوجود بالعدم الزماني والبقاء وهو كون الشيء موجودا في الآن بعد الآن على نعت الاتصال من شئون الحقائق الخارجية ، ولا تحقق للأمور الاعتبارية في الخارج.
وكذا لا يتصف الكلام بالقدم وهو عدم كون وجود الشيء مسبوقا بعدم زماني لأن القدم أيضا كالحدوث في كونه من شئون الحقائق الخارجية دون الأمور الاعتبارية.
على أن في اتصاف الكلام بالقدم إشكالا آخر بحياله ، وهو أن الكلام هو المؤلف من حروف مترتبة متدرجة بعضها قبل وبعضها بعد ، ولا يتصور في القدم تقدم وتأخر وإلا كان المتأخر حادثا وهو قديم هذا خلف ، فالكلام - بمعنى الحروف المؤلفة الدالة على معنى تام بالوضع - لا يتصور فيه قدم مع كونه محالا في نفس الأمر فافهم ذلك.
2 -هل الكلام بما هو كلام فعل أو صفة ذاتية
بمعنى أن ذات المتكلم هل هي تامة في نفسها مستغنية عن الكلام ثم يتفرع عليها الكلام أو أن قوام الذات متوقف عليه كتوقف الحيوان في ذاته على الحياة أو كعدم انفكاك الأربعة عن الزوجية في وجه ، لا ريب أن الكلام بحسب الحقيقة ليس فعلا ولا صفة للمتكلم لأنه أمر اعتباري لا تحقق له إلا في ظرف الدعوى والوضع فلا يكون فعلا حقيقيا صادرا عن ذات خارجية ولا صفة لموصوف خارجي.