فهرس الكتاب

الصفحة 2944 من 4314

و ضمير الفاعل في"أسروا النجوى"راجع إلى الناس غير أنه لما لم يكن الفعل فعلا لجميعهم ولا لأكثرهم فإن فيهم المستضعف ومن لا شغل له به وإن كان منسوبا إلى الكل من جهة ما في مجتمعهم من الغفلة والإعراض أوضح النسبة بقوله:"الذين ظلموا"فهو عطف بيان دل به على أن النجوى إنما كان في الذين ظلموا منهم خاصة.

وقوله:"هل هذا إلا بشر مثلكم أ فتأتون السحر وأنتم تبصرون"هو الذي تناجوا به ، وقد كانوا يصرحون بتكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعلنون بأنه بشر وأن القرآن سحر من غير أن يخفوا شيئا من ذلك لكنهم إنما أسروه في نجواهم إذ كان ذلك منهم شورى يستشير بعضهم فيه بعضا ما ذا يقابلون به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويجيبون عما يسألهم من الإيمان بالله وبرسالته؟ فما كان يسعهم إلا كتمان ما يذكر فيما بينهم وإن كانوا أعلنوا به بعد الاتفاق على رد الدعوة.

وقد اشتمل نجواهم على قولين قطعوا عليهما أو ردوهما بطريق الاستفهام الإنكاري وهما قوله:"هل هذا إلا بشر مثلكم"وقد اتخذوه حجة لإبطال نبوته وهو أنه كما تشاهدونه - وقد أتوا باسم الإشارة دون الضمير فقالوا: هل هذا؟ ولم يقولوا: هل هو؟ للدلالة على العلم به بالمشاهدة - بشر مثلكم لا يفارقكم في شيء يختص به فلو كان ما يدعيه من الاتصال بالغيب والارتباط باللاهوت حقا لكان عندكم مثله لأنكم بشر مثله ، فإذ ليس عندكم من ذلك نبأ فهو مثلكم لا خبر عنده فليس بنبي كما يدعي.

وقولهم:"أ فتأتون السحر وأنتم تبصرون"وهو متفرع بفاء التفريع على نفي النبوة بإثبات البشرية فيرجع المعنى إلى أنه لما لم يكن نبيا متصلا بالغيب فالذي أتاكم به مدعيا أنه آية النبوة ليس بآية معجزة من الله بل سحر تعجزون عن مثله ، ولا ينبغي لذي بصر سليم أن يذعن بالسحر ويؤمن بالساحر.

قوله تعالى:"قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم"أي أنه تعالى محيط علما بكل قول سرا أو جهرا وفي أي مكان وهو السميع لأقوالكم العليم بأفعالكم فالأمر إليه وليس لي من الأمر شيء.

والآية حكاية قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم لما أسروا النجوى وقطعوا على تكذيب نبوته ورمي آيته وهو كتابه بالسحر وفيها إرجاع الأمر وإحالته إلى الله سبحانه كما في غالب الموارد التي اقترحوا عليه فيها الآية وكذلك سائر الأنبياء كقوله:"قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين": الملك: 26 ، وقوله:"قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به:"الأحقاف: 23 ، وقوله:"قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين": العنكبوت: 50.

قوله تعالى:"بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون"تدرج منهم في الرمي والتكذيب ، فقولهم: أضغاث أحلام أي تخاليط من رؤى غير منظمة رآها فحسبها نبوة وكتابا فأمره أهون من السحر ، وقولهم:"بل افتراه"ترق من سابقه فإن كونه أضغاث أحلام كان لازمه التباس الأمر واشتباهه عليه لكن الافتراء يستلزم التعمد ، وقولهم:"بل هو شاعر"ترق من سابقه من جهة أخرى فإن المفتري إنما يقول عن ترو وتدبر فيه لكن الشاعر إنما يلفظ ما يتخيله ويروم ما يزينه له إحساسه من غير ترو وتدبر فربما مدح القبيح على قبحه وربما ذم الجميل على جماله وربما أنكر الضروري وربما أصر على الباطل المحض ، وربما صدق الكذب أو كذب الصدق.

وقولهم:"فليأتنا بآية كما أرسل الأولون"الكلام متفرع على ما تقدمه والمراد بالأولين الأنبياء الماضون أي إذا كان هذا الذي أتى به وهو يعده آية وهو القرآن أضغاث أحلام أو افتراء أو شعر فليس يتم بذلك دعواه النبوة ولا يقنعنا ذلك فليأتنا بآية كما أتى الأولون من الآيات مثل الناقة والعصا واليد البيضاء.

وفي قوله:"كما أرسل الأولون"وكان الظاهر من السياق أن يقال: كما أتى بها الأولون إشارة إلى أن الآية من لوازم الإرسال فلو كان رسولا فليقتد بالأولين فيما احتجوا به على رسالتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت