و من هناك يستشعر الفطن اللبيب: أنه ينبغي أن يكون للإسلام حكم دفاعي في تطهير الأرض من لوث مطلق الشرك وإخلاص الإيمان لله سبحانه وتعالى فإن هذا القتال الذي تذكره الآيات المذكورة إنما هو لإماتة الشرك الظاهر من الوثنية ، أو لإعلاء كلمة الحق على كلمة أهل الكتاب بحملهم على إعطاء الجزية ، مع أن آية القتال معهم تتضمن أنهم لا يؤمنون بالله ورسوله ولا يدينون دين الحق فهم وإن كانوا على التوحيد لكنهم مشركون بالحقيقة مستبطنون ذلك ، والدفاع عن حق الإنسانية الفطري يوجب حملهم على الدين الحق.
والقرآن وإن لم يشتمل من هذا الحكم على أمر صريح لكنه يبوح بالوعد بيوم للمؤمنين على أعدائهم لا يتم أمره إلا بإنجاز الأمر بهذه المرتبة من القتال ، وهو القتال لإقامة الإخلاص في التوحيد قال تعالى:"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون:"الصف - 9 ، وأظهر منه قوله تعالى:"و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون:"الأنبياء - 105 ، وأصرح منه قوله تعالى:"وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا:"النور - 55 ، فقوله تعالى: يعبدونني يعني به عبادة الإخلاص بحقيقة الإيمان بقرينة قوله تعالى: لا يشركون بي شيئا ، مع أنه تعالى يعد بعض الإيمان شركا ، قال تعالى:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:"يوسف - 106 ، فهذا ما وعده تعالى من تصفية الأرض وتخليتها للمؤمنين يوم لا يعبد فيه غير الله حقا.
وربما يتوهم المتوهم أن ذلك وعد بنصر إلهي بمصلح غيبي من غير توسل بالأسباب الظاهرة لكن ينافيه قوله: ليستخلفنهم في الأرض ، فإن الاستخلاف إنما هو بذهاب بعض وإزالتهم عن مكانهم ووضع آخرين مقامهم ففيه إيماء إلى القتال.
على أن قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم:"المائدة - 54 ، - على ما سيجيء في محله - يشير إلى دعوة حقة ، ونهضة دينية ستقع عن أمر إلهي ويؤيد أن هذه الواقعة الموعودة إنما تقع عن دعوة جهاد.
وبما مر من البيان يظهر الجواب عما ربما يورد على الإسلام في تشريعه الجهاد بأنه خروج عن طور النهضات الدينية المأثورة عن الأنبياء السالفين فإن دينهم إنما كان يعتمد في سيره وتقدمه على الدعوة ، والهداية دون الإكراه على الإيمان بالقتال المستتبع للقتل والسبي والغارات ، ولذلك ربما سماه بعضهم كالمبلغين من النصارى بدين السيف والدم وآخرون بدين الإجبار والإكراه!.
وذلك أن القرآن يبين أن الإسلام مبني على قضاء الفطرة الإنسانية التي لا ينبغي أن يرتاب أن كمال الإنسان في حياته هو ما قضت به وحكمت ودعت إليه ، وهي تقضي بأن التوحيد هو الأساس الذي يجب بناء القوانين الفردية والاجتماعية عليه ، وأن الدفاع عن هذا الأصل بنشره بين الناس وحفظه من الهلاك والفساد حق مشروع للإنسانية يجب استيفاؤه بأي وسيلة ممكنة ، وقد روعي في ذلك طريق الاعتدال ، فبدأ بالدعوة المجردة والصبر على الأذى في جنب الله ، ثم الدفاع عن بيضة الإسلام ونفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم ، ثم القتال الابتدائي الذي هو دفاع عن حق الإنسانية وكلمة التوحيد ولم يبدأ بشيء من القتال إلا بعد إتمام الحجة بالدعوة الحسنة كما جرت عليه السنة النبوية ، قال تعالى:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن:"النحل - 125 ، والآية مطلقة ، وقال تعالى:"ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة:"الأنفال - 42.
وأما ما ذكروه من استلزامه الإكراه عند الغلبة فلا ضير فيه بعد توقف إحياء الإنسانية على تحميل الحق المشروع على عدة من الأفراد بعد البيان وإقامة الحجة البالغة عليهم ، وهذه طريقة دائرة بين الملل والدول فإن المتمرد المتخلف عن القوانين المدنية يدعى إلى تبعيتها ثم يحمل عليه بأي وسيلة أمكنت ولو انجر إلى القتال حتى يطيع وينقاد طوعا أو كرها.