و يمكن أن يكون المراد به الوحي النازل عليه في القرآن وهو ذكر من معه (صلى الله عليه وآله وسلم) والوحي النازل على من قبله في أمر توحيد العبادة المنقول في القرآن فالمشار إليه بهذا هو ما في القرآن من الأمر بتوحيد العبادة النازل عليه والنازل على من تقدمه من الأنبياء (عليهم السلام) ، وربما فسر الذكر بالخبر وغيره ولا يعبأ به.
وفي الآية دفع احتمال آخر من الاحتمالات المنافية لإثبات المعاد والحساب المذكور سابقا وهو أن يتخذوا آلهة من دون الله سبحانه فيعبدوهم ويستغنوا بذلك عن عبادة الله وولايته المستلزمة للمعاد إليه وحسابه ووجوب إجابة دعوة أنبيائه ، ودفع هذا الاحتمال بعدم الدليل عليه وقد خاصمهم بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يطالبهم بالدليل بقوله:"قل هاتوا برهانكم"... إلخ.
وقوله:"قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي"من قبيل المنع مع السند - باصطلاح فن المناظرة - ومحصل معناه طلب الخصم من المدعي الدليل على مدعاه غير المدلل مستندا في طلبه ذلك إلى أن عنده دليلا يدل على خلافه.
يقول تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : قل لهؤلاء المتخذين الآلهة من دون الله هاتوا برهانكم على دعواكم فإن الدعوى التي لا دليل عليها لا تسمع ولا يجوز عقلا أن يركن إليها ، والذي استند إليه في طلب الدليل أن الكتب السماوية النازلة من عند الله سبحانه لا يوافقكم على ما ادعيتم بل يخالفكم فيه فهذا القرآن وهو ذكر من معي وهذه سائر الكتب كالتوراة والإنجيل وغيرهما وهي ذكر من قبلي تذكر انحصار الألوهية فيه تعالى وحده ووجوب عبادته.
أو أن ما في القرآن من الوحي النازل علي وهو ذكر من معي والوحي النازل على من سبقني من الأنبياء وهو ذكر من قبلي في أمر عبادة الإله يحصر الألوهية والعبادة فيه تعالى.
وقوله:"بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون"رجوع إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإشارة إلى أن أكثرهم لا يميزون الحق من الباطل فليسوا من أهل التمييز الذين لا يتبعون إلا الدليل فهم معرضون عن الحق واتباعه.
قوله تعالى:"و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون"تثبيت لما قيل في الآية السابقة أن الذكر يذكر توحيده ووجوب عبادته ولا يخلو من تأييد ما للمعنى الثاني من معنيي الذكر.
وقوله:"نوحي إليه"مفيد للاستمرار ، وقوله:"فاعبدون"خطاب للرسل ومن معهم من أممهم والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"و قالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون"ظاهر السياق يشهد أنه حكاية قول الوثنيين أن الملائكة أولاده سبحانه فالمراد بالعباد المكرمين الملائكة ، وقد نزه الله نفسه عن ذلك بقوله:"سبحانه"ثم ذكر حقيقة حالهم بالإضراب.
وإذ كان قوله بعد:"لا يسبقونه بالقول"... إلخ بيان كمال عبوديتهم من حيث الآثار وصفائها من جهة الخواص والتبعات وقد ذكر قبلا كونهم عبادا كان ظاهر ذلك أن المراد بإكرامهم إكرامهم بالعبودية لا بغيرها فيئول المعنى إلى أنهم عباد بحقيقة معنى العبودية ومن الدليل عليه صدور آثارها الكاملة عنهم.
فالمراد بكونهم عبادا - وجميع أرباب الشعور عباد الله - إكرامهم في أنفسهم بالعبودية فلا يشاهدون من أنفسهم إلا أنهم عباد ، والمراد بكونهم مكرمين إكرامه تعالى لهم بإفاضة العبودية الكاملة عليهم ، وهذا نظير كون العبد مخلصا - بكسر اللام - لربه ومقابلته تعالى ذلك بجعله مخلصا - بفتح اللام - لنفسه ، وإنما الفرق بين كرامة الملائكة والبشر أنها في البشر اكتسابي بخلاف ما في الملائكة ، وأما إكرامه تعالى فهو موهبي في القبيلين جميعا فافهم ذلك.
قوله تعالى:"لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون"لا يسبق فلان فلانا بالقول أي لا يقول شيئا قبل أن يقوله فقوله تبع ، وربما يكنى به عن الإرادة والمشية أي إرادته تبع إرادته ، وقوله:"و هم بأمره يعملون"الظرف متعلق بيعملون قدم عليه لإفادة الحصر أي يعملون بأمره لا بغير أمره ، وليس المراد لا يعملون بأمر غيره ففعلهم تابع لأمره أي لإرادته كما أن قولهم تابع لقوله فهم تابعون لربهم قولا وفعلا.