قوله تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم"إلخ"، الإحصار هو الحبس والمنع ، والمراد الممنوعية عن الإتمام بسبب مرض أو عدو بعد الشروع بالإحرام والاستيسار صيرورة الشيء يسيرا غير عسير كأنه يجلب اليسر لنفسه ، والهدي هو ما يقدمه الإنسان من النعم إلى غيره أو إلى محل للتقرب به ، وأصله من الهدية بمعنى التحفة أو من الهدى بمعنى الهداية التي هي السوق إلى المقصود ، والهدي والهدية كالتمر والتمرة ، والمراد به ما يسوقه الإنسان للتضحية به في حجه من النعم.
قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه"إلخ"الفاء للتفريع ، وتفريع هذا الحكم على النهي عن حلق الرأس يدل على أن المراد بالمرض هو خصوص المرض الذي يتضرر فيه من ترك الشعر على الرأس من غير حلق ، والإتيان بقوله: أو به أذى من رأسه بلفظة أو الترديد يدل على أن المراد بالأذى ما كان من غير طريق المرض كالهوام فهو كناية عن التأذي من الهوام كالقمل على الرأس ، فهذان الأمران يجوزان الحلق مع الفدية بشيء من الخصال الثلاث: التي هي الصيام ، والصدقة ، والنسك.
وقد وردت السنة أن الصيام ثلاثة أيام ، وأن الصدقة إطعام ستة مساكين ، وأن النسك شاة.
قوله تعالى: فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ، تفريع على الإحصار ، أي إذا أمنتم المانع من مرض أو عدو أو غير ذلك فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ، أي تمتع بسبب العمرة من حيث ختمها والإحلال إلى زمان الإهلال بالحج فما استيسر من الهدي ، فالباء للسببية ، وسببية العمرة للتمتع بما كان لا يجوز له في حال الإحرام كالنساء والصيد ونحوهما من جهة تمامها بالإحلال.
قوله تعالى: فما استيسر من الهدي ، ظاهر الآية أن ذلك نسك ، لا جبران لما فات منه من الإهلال بالحج من الميقات فإن ذلك أمر يحتاج إلى زيادة مئونة في فهمه من الآية كما هو ظاهر.
فإن قيل: إن ترتب قوله: فما استيسر من الهدي ، على قوله: فمن تمتع ترتب الجزاء على الشرط مع أن اشتمال الشرط على لفظ التمتع مشعر بأن الهدي واقع بإزاء التمتع الذي هو نوع تسهيل شرع له تخفيفا فهو جبران لذلك.
قلت: يدفعه قوله تعالى: بالعمرة ، فإن ذلك يناسب التجويز للتمتع في أثناء عمل واحد ، ولا معنى للتسهيل حيث لا إحرام لتمام العمرة وعدم الإهلال بالحج بعد ، على أن هذا الاستشعار لو صح فإنما يتم به كون تشريع الهدي من أجل تشريع التمتع بالعمرة إلى الحج لا كون الهدي جبرانا لما فاته من الإهلال بالحج من الميقات دون مكة ، وظاهر الآية كون قوله: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي إخبارا عن تشريع التمتع لا إنشاء للتشريع فإنه يجعل التمتع مفروغا عنه ثم يبنى عليه تشريع الهدي ، ففرق بين قولنا: من تمتع فعليه هدي وقولنا تمتعوا وسوقوا الهدي ، وأما إنشاء تشريع التمتع فإنما يتضمنه قوله: تعالى في ذيل الآية ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
قوله تعالى: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، جعل الحج ظرفا للصيام باعتبار اتحاده مع زمان الاشتغال به ومكانه ، فالزمان الذي يعد زمانا للحج ، وهو من زمان إحرام الحج إلى الرجوع ، زمان الصيام ثلاثة أيام ، ولذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت أن وقت الصيام قبل يوم الأضحى أو بعد أيام التشريق لمن لم يقدر على الصيام قبله وإلا فعند الرجوع إلى وطنه ، وظرف السبعة إنما هو بعد الرجوع فإن ذلك هو الظاهر من قوله: إذا رجعتم ، ولم يقل حين الرجوع على أن الالتفات من الغيبة إلى الحضور في قوله إذا رجعتم لا يخلو عن إشعار بذلك.
قوله تعالى: تلك عشرة كاملة ، أي الثلاثة والسبعة عشرة كاملة وفي جعل السبعة مكملة للعشرة لا متممة دلالة على أن لكل من الثلاثة والسبعة حكما مستقلا آخر على ما مر من معنى التمام والكمال في أول الآية فالثلاثة عمل تام في نفسه ، وإنما تتوقف على السبعة في كمالها لا تمامها.
قوله تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ، أي الحكم المتقدم ذكره وهو التمتع بالعمرة إلى الحج لغير الحاضر ، وهو الذي بينه وبين المسجد الحرام.