فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 4314

قوله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، ظاهره إيجاب الإفاضة على ما كان من دأب الناس وإلحاق المخاطبين في هذا الشأن بهم فينطبق على ما نقل أن قريشا وحلفاءها وهم الحمس كانوا لا يقفون بعرفات بل بالمزدلفة وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله لا نفارق الحرم فأمرهم الله سبحانه بالإفاضه من حيث أفاض الناس وهو عرفات.

وعلى هذا فذكر هذا الحكم بعد قوله: فإذا أفضتم من عرفات ، بثم الدالة على التأخير اعتبار للترتيب الذكري ، والكلام بمنزلة الاستدراك ، والمعنى أن أحكام الحج هي التي ذكرت غير أنه يجب عليكم في الإفاضة أن تفيضوا من عرفات لا من المزدلفة ، وربما قيل: إن في الآيتين تقديما وتأخيرا في التأليف ، والترتيب: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس. فإذا أفضتم من عرفات.

قوله تعالى: فإذا قضيتم مناسككم إلى قوله: ذكرا ، دعوة إلى ذكر الله والبلاغ فيه بأن يذكره الناسك كذكره آباءه وأشد منه لأن نعمته في حقه وهي نعمة الهداية كما ذكره بقوله تعالى:"و اذكروه كما هديكم"أعظم من حق آبائه عليه ، وقد قيل: إن العرب كانت في الجاهلية إذا فرغت من الحج مكثت حينا في منى فكانوا يتفاخرون بالآباء بالنظم والنثر فبدله الله تعالى من ذكره كذكرهم أو أشد من ذكرهم ، وأو في قوله أو أشد ذكرا ، للإضراب فتفيد معنى بل ، وقد وصف الذكر بالشدة وهو أمر يقبل الشدة في الكيفية كما يقبل الكثرة في الكمية قال تعالى:"و اذكروا الله ذكرا كثيرا:"الأحزاب - 41 ، وقال تعالى:"و الذاكرين الله كثيرا:"الأحزاب - 35 ، فإن الذكر بحسب الحقيقة ليس مقصورا في اللفظ ، بل هو أمر يتعلق بالحضور القلبي واللفظ حاك عنه ، فيمكن أن يتصف بالكثرة من حيث الموارد بأن يذكر الله سبحانه في غالب الحالات كما قال تعالى:"الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم:"آل عمران - 191 ، وأن يتصف بالشدة في مورد من الموارد ، ولما كان المورد المستفاد من قوله تعالى: فإذا قضيتم مناسككم ، موردا يستوجب التلهي عنه تعالى ونسيانه كان الأنسب توصيف الذكر الذي أمر به فيه بالشدة دون الكثرة كما هو ظاهر.

قوله تعالى: فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا"إلخ"تفريع على قوله تعالى: فاذكروا الله كذكركم آباءكم ، والناس مطلق ، فالمراد به أفراد الإنسان أعم من الكافر الذي لا يذكر إلا آباءه أي لا يبتغي إلا المفاخر الدنيوية ولا يطلب إلا الدنيا ولا شغل له بالآخرة ، ومن المؤمن الذي لا يريد إلا ما عند الله سبحانه ، ولو أراد من الدنيا شيئا لم يرد إلا ما يرتضيه له ربه ، وعلى هذا فالمراد بالقول والدعاء ما هو سؤال بلسان الحال دون المقال ، ويكون معنى الآية أن من الناس من لا يريد إلا الدنيا ولا نصيب له في الآخرة ومنهم من لا يريد إلا ما يرتضيه له ربه سواء في الدنيا أو في الآخرة ولهؤلاء نصيب في الآخرة.

ومن هنا يظهر: وجه ذكر الحسنة في قول أهل الآخرة دون أهل الدنيا ، وذلك أن من يريد الدنيا لا يقيده بأن يكون حسنا عند الله سبحانه بل الدنيا وما هو يتمتع به في الحياة الأرضية كلها حسنة عنده موافقة لهوى نفسه ، وهذا بخلاف من يريد ما عند الله سبحانه فإن ما في الدنيا وما في الآخرة ينقسم عنده إلى حسنة وسيئة ولا يريد ولا يسأل ربه إلا الحسنة دون السيئة.

والمقابلة بين قوله: وما له في الآخرة من خلاق ، وقوله: أولئك لهم نصيب مما كسبوا ، تعطي أن أعمال الطائفة الأولى باطلة حابطة بخلاف الثانية كما قال تعالى:"و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا:"الفرقان - 23 ، وقال تعالى:"و يوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها": الأحقاف - 20 ، وقال تعالى:"فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا": الكهف - 105.

قوله تعالى: والله سريع الحساب ، اسم من أسماء الله الحسنى ، وإطلاقه يدل على شموله للدنيا والآخرة معا ، فالحساب جار ، كلما عمل عبد شيئا من الحسنات أو غيرها آتاه الله الجزاء جزاء وفاقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت