فهرس الكتاب

الصفحة 3020 من 4314

قوله تعالى:"ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم"إلخ ، مرض القلب عدم استقامة حاله في التعقل بأن لا يذعن بما من شأنه أن يذعن به من الحق وهو الشك والارتياب ، وقساوة القلب صلابته وغلظه مأخوذ من الحجر القاسي أي الصلب.

وصلابته بطلان عواطفه الرقيقة المعينة في إدراك المعاني الحقة كالخشوع والرحمة والتواضع والمحبة فالقلب المريض سريع التصور للحق بطيء الإذعان به ، والقلب القسي بطيئهما معا ، وكلاهما سريع القبول للوساوس الشيطانية.

والإلقاءات الشيطانية التي تفسد الأمور على الحق وأهله وتبطل مساعي الرسل والأنبياء دون أن تؤثر أثرها وإن كانت مستندة إلى الشيطان نفسه لكنها كسائر الآثار لما كانت واقعة في ملكه تعالى ، ولا يقع أثر من مؤثر أو فعل من فاعل إلا بإذنه ، ولا يقع شيء بإذنه إلا استند إليه استنادا ما بمقدار الإذن ، ولا يستند إليه إلا ما فيه خير لا يخلو من مصلحة وغاية.

لذا ذكر سبحانه في هذه الآية أن لهذه الإلقاءات الشيطانية مصلحة وهي أنها محنة يمتحن بها الناس عامة والامتحان من النواميس الإلهية العامة الجارية في العالم الإنساني ويتوقف عليه تلبس السعيد بسعادته والشقي بشقائه ، وفتنة يفتتن بها الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم خاصة فإن تلبس الأشقياء بكمال شقائهم من التربية الإلهية المقصودة في نظام الخلقة ، قال تعالى:"كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا:"إسراء: 20.

وهذا معنى قوله:"ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم"فاللام في"ليجعل"للتعليل يعلل بها إلقاء الشيطان في أمنية الرسول والنبي أي يفعل الشيطان كذا ليفعل الله كذا ومعناه أنه مسخر لله سبحانه لغرض امتحان العباد وفتنة أهل الشك والجحود وغرورهم.

وقد تبين أن المراد بالفتنة الابتلاء والامتحان الذي ينتج الغرور والضلال وبالذين في قلوبهم مرض أهل الشك من الكفار وبالقاسية قلوبهم أهل الجحود والعناد منهم.

وقوله:"و إن الظالمين لفي شقاق بعيد"الشقاق والمشاقة المباينة والمخالفة وتوصيفه بالبعد توصيف له بحال موصوفه ، والمعنى: وإن الظالمين - وهم أهل الجحود على ما يعطيه السياق أو هم وأهل الشك جميعا - لفي مباينة ومخالفة بعيد صاحبها من الحق وأهله.

قوله تعالى:"و ليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم"إلخ ، المتبادر من السياق أنه عطف على قوله:"ليجعل"وتعليل لقوله:"فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته"والضمير في"أنه"على هذا لما يتمناه الرسول والنبي المفهوم من قوله"إذا تمنى"إلخ ، ولا دليل على إرجاعه إلى القرآن.

والمعنى: فينسخ الله ما يلقيه الشيطان ثم يحكم آياته ليعلم الذين أوتوا العلم بسبب ذاك النسخ والأحكام أن ما تمناه الرسول أو النبي هو الحق من ربك لبطلان ما يلقيه الشيطان فيؤمنوا به فتخبت أي تلين وتخشع له قلوبهم.

ويمكن أن يكون قوله"و ليعلم"معطوفا على محذوف ومجموع المعطوف والمعطوف عليه تعليلا لما بينه في الآية السابقة من جعله تعالى هذا الإلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم.

والمعنى: إنما بينا هذه الحقيقة لغاية كذا وكذا وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك"إلخ"على حد قوله:"و تلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا:"آل عمران: 140 ، وهو كثير الورود في القرآن.

وقوله:"إن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم"في مقام التعليل لكون علم الذين أوتوا العلم غاية مترتبة على فعله تعالى فيفيد أنه تعالى إنما فعل ما فعل ليعلموا أن الأمر حق لأنه هاد يريد أن يهديهم فيهديهم بهذا التعليم إلى صراط مستقيم.

قوله تعالى:"و لا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم"إلخ الآية - كما ترى - تخبر عن حرمان هؤلاء الذين كفروا من الإيمان مدى حياتهم فليس المراد بهم مطلق الكفار لقبول بعضهم الإيمان بعد الكفر فالمراد به عدة من صناديد قريش الذين لم يوفقوا للإيمان ما عاشوا كما في قوله:"إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون:"البقرة: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت