فهرس الكتاب

الصفحة 3022 من 4314

و في الكافي ، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : في حديث النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك ، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك.

أقول: وفي هذا المعنى روايات أخرى.

والمراد بمعاينة الملك على ما في غيره من الروايات نزول الملك عليه وظهوره له وتكليمه بالوحي ، وقد تقدم بعض هذه الروايات في أبحاث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع"أ فرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"ألقى الشيطان على لسانه"تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا. ثم جاء جبريل بعد ذلك قال: أعرض علي ما جئتك به فلما بلغ"تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"قال جبريل لم آتك بهذا. هذا من الشيطان فأنزل الله"و ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي". الآية.

أقول: الرواية مروية بطرق عديدة عن ابن عباس وجمع من التابعين وقد صححها جماعة منهم الحافظ ابن حجر.

لكن الأدلة القطعية على عصمته (صلى الله عليه وآله وسلم) تكذب متنها وإن فرضت صحة سندها فمن الواجب تنزيه ساحته المقدسة عن مثل هذه الخطيئة مضافا إلى أن الرواية تنسب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أشنع الجهل وأقبحه فقد تلى"تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"وجهل أنه ليس من كلام الله ولا نزل به جبريل ، وجهل أنه كفر صريح يوجب الارتداد ودام على جهة حتى سجد وسجدوا في آخر السورة ولم يتنبه ثم دام على جهله حتى نزل عليه جبريل وأمره أن يعرض عليه السورة فقرأها عليه وأعاد الجملتين وهو مصر على جهله حتى أنكره عليه جبريل ثم أنزل عليه آية تثبت نظير هذا الجهل الشنيع والخطيئة الفضيحة لجميع الأنبياء والمرسلين وهي قوله:"و ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته".

وبذلك يظهر بطلان ما ربما يعتذر دفاعا عن الحديث بأن ذلك كان سبقا من لسان دفعه بتصرف من الشيطان سهوا منه (عليه السلام) وغلطا من غير تفطن.

فلا متن الحديث على ما فيه من تفصيل الواقعة ينطبق على هذه المعذرة ، ولا دليل العصمة يجوز مثل هذا السهو والغلط.

على أنه لو جاز مثل هذا التصرف من الشيطان في لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم) بإلقاء آية أو آيتين في القرآن الكريم لارتفع الأمن عن الكلام الإلهي فكان من الجائز حينئذ أن يكون بعض الآيات القرآنية من إلقاء الشيطان ثم يلقي نفس هذه الآية"و ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي"الآية فيضعه في لسان النبي وذكره فيحسبها من كلام الله الذي نزل به جبريل كما حسب حديث الغرانيق كذلك فيكشف بهذا عن بعض ما ألقاه وهو حديث الغرانيق سترا على سائر ما ألقاه.

أو يكون حديث الغرانيق من الكلام الله ، وآية"و ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي"إلخ ، وجميع ما ينافي الوثنية من كلام الشيطان ويستر بما ألقاه من الآية وأبطل من حديث الغرانيق على كثير من إلقاءاته في خلال الآيات القرآنية ، وبذلك يرتفع الاعتماد والوثوق بكتاب الله من كل جهة وتلغو الرسالة والدعوة النبوية بالكلية جلت ساحة الحق من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت