فهرس الكتاب

الصفحة 3024 من 4314

و العقاب بمثل العقاب كناية عن المعاملة بالمثل ولما لم يكن هذه المعاملة بالمثل حسنا إلا فيما كان العقاب الأول من غير حق قيده بكونه بغيا فعطف قوله:"بغي عليه"بثم عليه.

وقوله:"لينصرنه الله"ظاهر السياق - والمقام مقام الإذن في الجهاد - أن المراد بالنصر هو إظهار المظلومين على الظالمين الباغين وتأييدهم عليهم في القتال لكن يمكن أن يستظهر من مثل قوله:"و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا:"إسراء: 33 أن المراد بالنصر هو تشريع حكم للمظلوم يتدارك به ما وقع عليه من وصمة الظلم والبغي فإن في إذنه أن يعامل الظالم الباغي عليه بمثل ما فعل بسطا ليده على من بسط عليه اليد.

وبهذا يتضح معنى تعليل النصر بقوله:"إن الله لعفو غفور"فإن الإذن والإباحة في موارد الاضطرار والحرج وما شابه ذلك من مقتضيات صفتي العفو والمغفرة كما تقدم مرارا في أمثال قوله تعالى:"فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم:"المائدة: 3 وقد أوضحنا ذلك في المجازاة والعفو في آخر الجزء السادس من الكتاب.

والمعنى - على هذا - ومن عامل من عاقبه بغيا عليه بمثل ما عاقب نصره الله بإذنه فيه ولم يمنعه عن المعاملة بالمثل لأن الله عفو غفور يمحو ما تستوجبه هذه المعاملة والانتقام من المساءة والتبعة كأن العقاب وإيصال المكروه إلى الناس مبغوض في نظام الحياة غير أن الله سبحانه يمحو ما فيه من المبغوضية ويستر على أثره السيىء إذا كان عقابا من مظلوم لظالمه الباغي عليه بمثل ما بغي عليه ، فيجيز له ذلك ولا يمنعه بالتحريم والحظر.

وبذلك يظهر أيضا مناسبة ذكر وصف الحلم في آخر الآية السابقة - إن الله لعليم حليم - ويظهر أيضا أن"ثم"في قوله:"ثم بغي عليه"للتراخي بحسب الذكر لا بحسب الزمان.

وأما ما أوردوه في معنى الآية: ومن جازى الجاني بمثل ما جنى به عليه ثم بغي عليه بالمعاودة إلى العقاب لينصرنه الله على من بغي عليه إن الله لعفو غفور لمن ارتكبه من العقاب إذ كان تركا للأولى لأن الأولى هو الصبر والعفو عن الجاني كما قال تعالى:"و أن تعفوا أقرب للتقوى"، وقال:"فمن عفا وأصلح فأجره على الله"، وقال:"و لمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور:"الشورى: 43.

ففيه أولا: أنه لما أخذت"ثم"للتراخي بحسب الزمان أفاد كون العقاب غير البغي ومطلق العقاب أعم من أن يكون جناية ، وعمومها للجناية وغيرها يفسد معنى الكلام ، وإرادة خصوص الجناية منه - كما فسر - إرادة معنى لا دليل عليه من جهة اللفظ.

وثانيا: أنه فسر النصرة بالنصرة التكوينية دون التشريعية فكان إخبارا عن نصره تعالى المظلوم على الظالم إذا قابله بالمجازاة على جنايته ثم بغيه والواقع ربما يتخلف عن ذلك.

وثالثا: أن قتال المشركين والجهاد في سبيل الله من مصاديق هذه الآية قطعا ، ولازم ما ذكر أن يكون تركه بالعفو عنهم أولى من فعله وهو واضح الفساد.

قوله تعالى:"ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير"إيلاج كل من الليل والنهار في الآخر حلوله محل الآخر كورود ضوء الصباح على ظلمة الليل كشيء يلج في شيء ثم اتساعه وإشغال النهار من الفضاء ما أشغله الليل ، وورود ظلمة المساء على نور النهار كشيء يلج في شيء ثم اتساعها وشمول الليل.

والمشار إليه بذلك - بناء على ما تقدم من معنى النصر - ظهور المظلوم بعقابه على الظالم الباغي عليه ، والمعنى أن ذلك النصر بسبب أن من سنة الله أن يظهر أحد المضادين والمتزاحمين على الآخر كما يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع لأقوالهم بصير بأعمالهم فينصر المظلوم وهو مهضوم الحق بعينه وما يسأله بلسان حاله في سمعه.

وذكر في معنى الآية وجوه أخر غير منطبقة على السياق رأينا الصفح عن ذكرها أولى.

قوله تعالى:"ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير"الإشارة بذلك إلى النصر أو إليه وإلى ما ذكر من سببه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت