فهرس الكتاب

الصفحة 3034 من 4314

و هذه الآية إلى تمام ثماني آيات تذكر من أوصاف المؤمنين ما يلازم كون وصف الإيمان حيا فعالا يترتب عليه آثاره المطلوبة منه ليترتب عليه الغرض المطلوب منه وهو الفلاح فإن الصلاة توجه ممن ليس له إلا الفقر والذلة إلى ساحة العظمة والكبرياء ومنبع العزة والبهاء ولازمه أن يتأثر الإنسان الشاعر بالمقام فيستغرق في الذلة والهوان وينتزع قلبه عن كل ما يلهوه ويشغله عما يهمه ويواجهه ، فلو كان إيمانه إيمانا صادقا جعل همه حين التوجه إلى ربه هما واحدا وشغله الاشتغال به عن الالتفات إلى غيره فما ذا يفعل الفقير المحض إذا لقي غني لا يقدر بقدر؟ والذليل إذا واجه عزة مطلقة لا يشوبها ذلة وهوان؟ وهذا معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث حارثة بن النعمان المروي في الكافي ، وغيره: إن لكل حق حقيقة ولكل صواب نورا.

الحديث.

كلام في معنى تأثير الإيمان

الدين - كما تقدم مرارا - السنة الاجتماعية التي يسير بها الإنسان في حياته الدنيوية الاجتماعية ، والسنن الاجتماعية متعلقة بالعمل مبنيا على أساس الاعتقاد في حقيقة الكون والإنسان الذي هو جزء من أجزائه ، ومن هنا ما نرى أن السنن الاجتماعية تختلف باختلاف الاعتقادات فيما ذكر.

فمن يثبت للكون ربا يبتدىء منه وسيعود إليه وللإنسان حياة باقية لا تبطل بموت ولا فناء يسير في الحياة سيرة يراعي في الأعمال الجارية فيها سعادة الحياة الباقية والتنعم في الدار الآخرة الخالدة.

ومن يثبت له إلها أو آلهة تدبر الأمر بالرضا والسخط من غير معاد إليه يعيش عيشة نظمها على أساس التقرب من الآلهة وإرضائها للفوز بأمتعة الحياة والظفر بما يشتهيه من نعم الدنيا.

ومن لا يهتم بأمر الربوبية ولا يرى للإنسان حياة خالدة كالماديين ومن يحذو حذوهم يبني سنة الحياة والقوانين الموضوعة الجارية في مجتمعه على أساس التمتع من الحياة الدنيا المحدودة بالموت.

فالدين سنة عملية مبنية على الاعتقاد في أمر الكون والإنسان بما أنه جزء من أجزائه ، وليس هذا الاعتقاد هو العلم النظري المتعلق بالكون والإنسان فإن العلم النظري لا يستتبع بنفسه عملا وإن توقف عليه العمل بل هو العلم بوجوب الجري على ما يقتضيه هذا النظر وإن شئت فقل: الحكم بوجوب اتباع المعلوم النظري والالتزام به وهو العلم العملي كقولنا: يجب أن يعبد الإنسان الإله تعالى ويراعي في أعماله ما يسعد به في الدنيا والآخرة معا.

ومعلوم أن الدعوة الدينية متعلقة بالدين الذي هو السنة العملية المبنية على الاعتقاد ، فالإيمان الذي يتعلق به الدعوة هو الالتزام بما يقتضيه الاعتقاد الحق في الله سبحانه ورسله واليوم الآخر وما جاءت به رسله وهو علم عملي.

والعلوم العملية تشتد وتضعف حسب قوة الدواعي وضعفها فإنا لسنا نعمل عملا قط إلا طمعا في خير أو نفع أو خوفا من شر أو ضرر ، وربما رأينا وجوب فعل لداع يدعو إليه ثم صرفنا عنه داع آخر أقوى منه وآثر ، كمن يرى وجوب أكل الغذاء لرفع ما به من جوع فيصرفه عن ذلك علمه بأنه مضر له مناف لصحته ، فبالحقيقة يقيد الداعي المانع بما معه من العلم إطلاق العلم الذي مع الداعي الممنوع كأنه يقول مثلا: إن التغذي لرفع الجوع ليس يجب مطلقا بل إنما يجب إذا لم يكن مضرا بالبدن مضادا لصحته.

ومن هنا يظهر أن الإيمان بالله إنما يؤثر أثره من الأعمال الصالحة والصفات الجميلة النفسانية كالخشية والخشوع والإخلاص ونحوها إذا لم تغلبه الدواعي الباطلة والتسويلات الشيطانية ، وبعبارة أخرى إذا لم يكن إيمانا مقيدا بحال دون حال كما قال تعالى:"و من الناس من يعبد الله على حرف": الحج - 61.

فالمؤمن إنما يكون مؤمنا على الإطلاق إذا جرت أعماله على حاق ما يقتضيه إيمانه من الخشوع في عبادته والإعراض عن اللغو ونحوه.

قوله تعالى:"و الذين هم عن اللغو معرضون"اللغو من الفعل هو ما لا فائدة فيه ويختلف باختلاف الأمور التي تعود عليها الفائدة فرب فعل هو لغو بالنسبة إلى أمر وهو بعينه مفيد مجد بالنسبة إلى أمر آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت