فهرس الكتاب

الصفحة 3071 من 4314

قيل: وقدمت الزانية في الذكر على الزاني لأن الزنا منهن أشنع ولكون الشهوة فيهن أقوى وأكثر ، والخطاب في الأمر بالجلد متوجه إلى عامة المسلمين فيقوم بمن قام بأمرهم من ذوي الولاية من النبي والإمام ومن ينوب منابه.

وقوله:"و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله"إلخ ، النهي عن الرأفة من قبيل النهي عن المسبب بالنهي عن سببه إذ الرأفة بمن يستحق نوعا من العذاب توجب التساهل في إذاقته ما يستحقه من العذاب بالتخفيف فيه وربما أدى إلى تركه ، ولذا قيده بقوله:"في دين الله"أي حال كون الرأفة أي المساهلة من جهتها في دين الله وشريعته.

وقيل: المراد بدين الله حكم الله كما في قوله تعالى:"ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك": يوسف: 76 أي في حكمه أي لا تأخذكم بهما رأفة في إنفاذ حكم الله وإقامة حده.

وقوله:"إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"أي إن كنتم كذا وكذا فلا تأخذكم بهما رأفة ولا تساهلوا في أمرهما وفيه تأكيد للنهي.

وقوله:"و ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين"أي وليحضر ولينظر إلى ذلك جماعة منهم ليعتبروا بذلك فلا يقتربوا الفاحشة.

قوله تعالى:"الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين"ظاهر الآية وخاصة بالنظر إلى سياق ذيلها المرتبط بصدرها أن الذي تشمل عليه حكم تشريعي تحريمي وإن كان صدرها واردا في صورة الخبر فإن المراد النهي تأكيدا للطلب وهو شائع.

والمحصل من معناها بتفسير من السنة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن

الزاني إذا اشتهر منه الزنا وأقيم عليه الحد ولم تتبين منه التوبة يحرم عليه نكاح غير الزانية والمشركة ، والزانية إذا اشتهر منها الزنا وأقيم عليها الحد ولم يتبين منها التوبة يحرم أن ينكحها إلا زان أو مشرك.

فالآية محكمة باقية على إحكامها من غير نسخ ولا تأويل ، وتقييدها بإقامة الحد وتبين التوبة مما يمكن أن يستفاد من السياق فإن وقوع الحكم بتحريم النكاح بعد الأمر بإقامة الحد يلوح إلى أن المراد به الزاني والزانية المجلودان ، وكذا إطلاق الزاني والزانية على من ابتلي بذلك ثم تاب توبة نصوحا وتبين منه ذلك ، بعيد من دأب القرآن وأدبه.

وللمفسرين في معنى الآية تشاجرات طويلة وأقوال شتى: منها: أن الكلام مسوق للإخبار عما من شأن مرتكبي هذه الفاحشة أن يقصدوه وذلك أن من خبثت فطرته لا يميل إلا إلى من يشابهه في الخباثة ويجانسه في الفساد والزاني لا يميل إلا إلى الزانية المشاركة لها في الفحشاء ومن هو أفسد منها وهي المشركة ، والزانية كذلك لا تميل إلا إلى مثلها وهو الزاني ومن هو أفسد منه وهو المشرك فالحكم وارد مورد الأعم الأغلب كما قيل في قوله تعالى:"الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات": الآية: 26 من السورة.

ومنها: أن المراد بالآية التقبيح ، والمعنى: أن اللائق بحال الزاني أن لا ينكح إلا زانية أو من هي دونها وهي المشركة واللائق بحال الزانية أن لا ينكحها إلا زان أو من هو دونه وهو المشرك ، والمراد بالنكاح العقد ، وقوله:"و حرم ذلك على المؤمنين"معطوف على أول الآية ، والمراد وحرم الزنا على المؤمنين.

وفيه وفي سابقه مخالفتهما لسياق الآية وخاصة اتصال ذيلها بصدرها كما تقدمت الإشارة إليه.

ومنها: أن الآية منسوخة بقوله تعالى:"و أنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم".

وفيه أن النسبة بين الآيتين نسبة العموم والخصوص والعام الوارد بعد الخاص لا ينسخه خلافا لمن قال به نعم ربما أمكن أن يستفاد النسخ من قوله تعالى:"و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك"

يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه": البقرة: 221 ، بدعوى أن الآية وإن كانت من العموم بعد الخصوص لكن لسانها آب عن التخصيص فتكون ناسخة بالنسبة إلى جواز النكاح بين المؤمن والمؤمنة والمشرك والمشركة ، وقد ادعى بعضهم أن نكاح الكافر للمسلمة كان جائزا إلى سنة ست من الهجرة ثم نزل التحريم فلعل الآية التي نحن فيها نزلت قبل ذلك ، ونزلت آية التحريم بعدها وفي الآية أقوال أخر تركنا إيرادها لظهور فسادها."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت