فهرس الكتاب

الصفحة 3114 من 4314

و في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء: في قوله:"وعد الله الذين آمنوا منكم"الآية قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد.

أقول: ظاهره أن المراد بالذين آمنوا الصحابة وقد عرفت أن الآية لا دلالة فيها عليه بوجه بل الدلالة على خلافه.

وفيه ، أخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا: أ ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزلت:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات"الآية.

أقول: هو لا يدل على أزيد من سبب النزول وأما أن المراد بالذين آمنوا من هم؟ وأن الله متى أنجز أو ينجز هذا الوعد؟ فلا تعرض له به.

ونظيرته روايته الأخرى: لما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات"الآية قال: بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منكم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب.

فإن تبشير الأمة بالاستخلاف لا يستلزم كون المراد بالذين آمنوا في الآية جميع الأمة أو خصوص الصحابة أو نفرا معدودا منهم.

وفي نهج البلاغة ،: في كلام له لعمر لما استشاره لانطلاقه لقتال أهل فارس حين تجمعوا للحرب قال (عليه السلام) : إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة ، وهو دين الله الذي أظهره ، وجنده الذي أعزه وأيده حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع ، ونحن على موعود من الله تعالى حيث قال عز اسمه: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. والله تعالى منجز وعده وناصر جنده ، ومكان القيم في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن انقطع النظام تفرق ورب متفرق لم يجتمع ، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب ، وأصلهم دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض تنقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك ، وكان قد آن للأعاجم أن ينظروا إليك غدا يقولون: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة.

أقول: وقد استدل به في روح المعاني ، على ما ارتضاه من كون المراد بالاستخلاف في الآية ظهور الإسلام وارتفاع قدره في زمن الخلفاء الراشدين وهو بمعزل عن ذلك بل دليل على خلافه ، فإن ظاهر كلامه أن الوعد الإلهي لم يتم أمر إنجازه بعد وأنهم يومئذ في طريقه حيث يقول: والله منجز وعده ، وأن الدين لم يمكن بعد ولا الخوف بدل أمنا وكيف لا؟ وهم بين خوفين خوف من تنقض العرب من داخل وخوف من مهاجمة الأعداء من خارج.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن أبي الشعثاء قال: كنت جالسا مع حذيفة وابن مسعود فقال حذيفة ذهب النفاق إنما كان النفاق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإنما هو اليوم الكفر بعد الإيمان فضحك ابن مسعود ثم قال: بم تقول؟ قال: بهذه الآية"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات"إلى آخر الآية.

أقول: ليت شعري أين ذهب منافقو عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ وشواهد الكتاب العزيز والتاريخ تدل على أنهم ما كانوا بأقل من ثلث أهل المدينة ومعظمهم بها أصدقوا الإسلام يوم رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم) أم تغيرت آراؤهم في تربصهم الدوائر وتقليبهم الأمور؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت