و فيه ، أيضا: ومتى قيل: كيف اكتفى بهذا القدر في جوابهم؟ قلنا: لما تقدم التحدي وعجزهم عن الإتيان بمثله اكتفى هاهنا بالتنبيه على ذلك انتهى والظاهر أن الجواب عن قولهم:"إن هذا إلا إفك افتراه"إلخ ، وقولهم:"أساطير الأولين اكتتبها"إلخ ، جميعا هو قوله تعالى:"قل أنزله الذي يعلم السر"إلخ ، على ما سنبين والجملة أعني قوله:"فقد جاءوا ظلما وزورا"رد مطلق لقولهم وهو في معنى المنع مع السند وسنده الآيات المشتملة على التحدي.
وبالجملة معنى الآية: وقال الذين كفروا من العرب ليس هذا القرآن إلا كلاما مصروفا عن وجهه - حيث إنه كلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد نسبه إلى الله - افترى به على الله وأعانه على هذا الكلام قوم آخرون وهم بعض أهل الكتاب فقد فعل هؤلاء الذين كفروا بقولهم هذا ظلما وكذبا.
قوله تعالى:"و قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا"الأساطير جمع أسطورة بمعنى الخبر المكتوب ويغلب استعماله في الأخبار الخرافية والاكتتاب هو الكتابة ونسبته إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) مع كونه أميا لا يكتب إنما هي بنوع من التجوز ككونه مكتوبا باستدعاء منه كما يقول الأمير كتبت إلى فلان كذا وكذا وإنما كتبه كاتبه بأمره ، والدليل على ذلك قوله بعد:"فهي تملى عليه بكرة وأصيلا"إذ لو كان هو الكاتب لم يكن معنى للإملاء ، وقيل: الاكتتاب بمعنى الاستكتاب.
والإملاء إلقاء الكلام إلى المخاطب بلفظه ليحفظه ويعيه أو إلى الكاتب ليكتبه والمراد به في الآية هو المعنى الأول على ما يعطيه سياق"اكتتبها فهي تملى عليه"إذ ظاهره تحقق الاكتتاب دفعة والإملاء تدريجا على نحو الاستمرار فهي مكتوبة مجموعة عنده تقرأ عليه وقتا بعد وقت وهو يعيها فيقرأ على الناس ما وعاه وحفظه.
والبكرة والأصيل الغداة والعشي ، وهو كناية عن الوقت بعد الوقت ، وقيل المراد أول النهار قبل خروج الناس من منازلهم وآخر النهار بعد دخولهم في منازلهم وهو كناية عن أنها تملى عليه خفية.
والآية بمنزلة التفسير للآية السابقة فكأنهم يوضحون قولهم: إنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون بأنهم كتبوا له أساطير الأولين ثم يملونها عليه وقتا بعد وقت بقراءة شيء بعد شيء عليه ، وهو يقرؤها على الناس وينسبها إلى الله سبحانه.
فالآية بتمامها من كلام الذين كفروا وربما قيل: إن قوله"اكتتبها فهي تملى عليه"إلى آخر الآية من كلام الله سبحانه لا من تمام كلامهم ، وهو استفهام إنكاري لقولهم: أساطير الأولين والسياق لا يساعد عليه.
قوله تعالى:"قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما"أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) برد قولهم وتكذيبهم فيما رموا به القرآن أنه إفك مفترى وأنه أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه وقتا بعد وقت.
وتوصيفه تعالى بأنه يعلم السر أي خفيات الأمور وبواطنها في السماوات والأرض للإيذان بأن هذا الكتاب الذي أنزله منطو على أسرار مطوية عن عقول البشر ، وفيه تعريض بمجازاتهم على جناياتهم التي منها رميهم القرآن بأنه إفك مفترى وأنه من الأساطير وهو مما يعلمه تعالى.
وقوله:"إنه كان غفورا رحيما"تعليل لما هو المشاهد من إمهالهم وتأخير عقوبتهم على جناياتهم وتكذيبهم للحق وجرأتهم على الله سبحانه.
والمعنى: قل إن القرآن ليس إفكا مفترى ولا من الأساطير كما يقولون بل كتاب منزل من عند الله سبحانه ضمنه أسرارا خفية لا تصل إلى كنهها عقولكم ولا تحيط بها أحلامكم ، ورميكم إياه بالإفك والأساطير وتكذيبكم لحقائقه جناية عظيمة تستحقون بها العقوبة غير أن الله سبحانه أمهلكم وأخر عقوبة جنايتكم لأنه متصف بالمغفرة والرحمة وذلك يستتبع تأخير العذاب ، هذا ملخص ما ذكروه في معنى الآية.
وفيه أن السياق لا يساعد عليه فإن محصل معنى الآية على ما فسروه يرجع إلى رد دعوى الكفار كون القرآن إفكا مفترى ومن الأساطير بدعوى أنه منزل من عند الله منطو على أسرار خفية لا سبيل لهم إلى الوقوف عليها لا مساغ في مقام المخاصمة لرد الدعوى بدعوى أخرى مثلها أو هي أخفى منها.