قوله تعالى:"فاتقوا الله وأطيعون"تفريع على إسرافهم في جانبي الشهوة والغضب وخروجهم عن طور العبودية فليتقوا الله وليطيعوه فيما يأمرهم به من ترك الإتراف والاستكبار.
قوله تعالى:"و اتقوا الذي أمدكم بما تعلمون"- إلى قوله - وعيون"قال الراغب: أصل المد الجر ، قال: وأمددت الجيش بمدود والإنسان بطعام قال: وأكثر ما جاء الإمداد في المحبوب والمد في المكروه ، قال تعالى:"و أمددناهم بفاكهة""و نمد له من العذاب مدا"انتهى ملخصا."
وقوله:"و اتقوا الذي أمدكم"إلخ ، في معنى تعليق الحكم بالوصف المشعر بالعلية أي اتقوا الله الذي يمدكم بنعمه لأنه يمدكم بها فيجب عليكم أن تشكروه بوضع نعمه في موضعها من غير إتراف واستكبار فإن كفران النعمة يستعقب السخط والعذاب قال تعالى:"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7.
وقد ذكر النعم إجمالا بقوله أولا:"أمدكم بما تعلمون"ثم فصلها بقوله ثانيا:"أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون".
وفي قوله:"أمدكم بما تعلمون"نكتة أخرى هي أنكم تعلمون أن هذه النعم من إمداده تعالى وصنعه لا يشاركه في إيجادها والإمداد بها غيره فهو الذي يجب لكم أن تتقوه بالشكر والعبادة دون الأوثان والأصنام فالكلام متضمن للحجة.
قوله تعالى:"إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم"تعليل للأمر بالتقوى أي إني آمركم بالتقوى شكرا لأني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم أن تكفروا ولم تشكروا ، والظاهر أن المراد باليوم العظيم يوم القيامة وإن جوز بعضهم أن يكون المراد به يوم عذاب الاستئصال.
قوله تعالى:"قالوا سواء علينا أ وعظت أم لم تكن من الواعظين"نفي لأثر كلامه وإياس له من إيمانهم بالكلية.
قيل: الكلام لا يخلو من مبالغة فقد كان مقتضى الترديد أن يقال: أ وعظت أم لم تعظ ففي العدول عنه إلى قوله:"أم لم تكن من الواعظين"النافي لأصل كونه واعظا ما لا يخفى من المبالغة.
قوله تعالى:"إن هذا إلا خلق الأولين"الخلق بضم الخاء واللام أو سكونها قال الراغب: الخلق والخلق - أي بفتح الخاء وضمها - في الأصل واحد كالشرب والشرب والصرم والصرم لكن خص الخلق - بفتح الخاء - بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر ، وخص الخلق - بضم الخاء - بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة ، قال تعالى:"إنك لعلى خلق عظيم"وقرىء"إن هذا إلا خلق الأولين"انتهى.
والإشارة بهذا إلى ما جاء به هود وقد سموه وعظا والمعنى: ليس ما تلبست به من الدعوة إلى التوحيد والموعظة إلا عادة البشر الأولين الماضين من أهل الأساطير والخرافات ، وهذا كقولهم: إن هذا إلا أساطير الأولين.
ويمكن أن تكون الإشارة بهذا إلى ما هم فيه من الشرك وعبادة الآلهة من دون الله اقتداء بآبائهم الأولين كقولهم:"وجدنا آباءنا كذلك يفعلون".
واحتمل بعضهم أن يكون المراد ما خلقنا هذا إلا خلق الأولين نحيا كما حيوا ونموت كما ماتوا ولا بعث ولا حساب ولا عذاب.
وهو بعيد من السياق.
قوله تعالى:"و ما نحن بمعذبين"إنكار للمعاد بناء على كون المراد باليوم العظيم في كلام هود (عليه السلام) يوم القيامة.
قوله تعالى:"فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية - إلى قوله - الرحيم"معناه ظاهر مما تقدم.