و ذلك أن الكون على ما بين أجزائه من التضاد والتزاحم مؤلف تأليفا خاصا يتلاءم معه أجزاؤه بعضها مع بعض في النتائج والآثار كالأمر في كفتي الميزان فإنهما على اضطرابها واختلافها الشديد بالارتفاع والانخفاض متوافقتان في تعيين وزن المتاع الموزون وهو الغاية والعالم الإنساني الذي هو جزء من الكون كذلك ثم الفرد من الإنسان بما له من القوى والأدوات المختلفة المتضادة مفطور على تعديل أفعاله وأعماله بحيث تنال كل قوة من قواه حظها المقدر لها وقد جهز بعقل يميز بين الخير والشر ويعطي كل ذي حق حقه.
فالكون يسير بالنظام الجاري فيه إلى غايات صالحة مقصودة وهو بما بين أجزائه من الارتباط التام يخط لكل من أجزائه سبيلا خاصا يسير فيها بأعمال خاصة من غير أن يميل عن حاق وسطها إلى يمين أو يسار أو ينحرف بإفراط أو تفريط فإن في الميل والانحراف إفسادا للنظام المرسوم ، ويتبعه إفساد غايته وغاية الكل ، ومن الضروري أن خروج بعض الأجزاء عن خطه المخطوط له وإفساد النظم المفروض له ولغيره يستعقب منازعة بقية الأجزاء له فإن استطاعت أن تقيمه وترده إلى وسط الاعتدال فهو وإلا أفنته وعفت آثاره حفظا لصلاح الكون واستبقاء لقوامه.
والإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون غير مستثنى من هذه الكلية فإن جرى على ما يهديه إليه الفطرة فاز بالسعادة المقدرة له وإن تعدى حدود فطرته وأفسد في الأرض أخذه الله سبحانه بالسنين والمثلات وأنواع النكال والنقمة لعله يرجع إلى الصلاح والسداد قال تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون": الروم: 41.
وإن أقاموا مع ذلك على الفساد لرسوخه في نفوسهم أخذهم الله بعذاب الاستئصال وطهر الأرض من قذارة فسادهم قال تعالى:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون": الأعراف: 96.
وقال:"و ما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون": هود: 117 ، وقال:"أن الأرض يرثها عبادي الصالحون": الأنبياء: 105 ، وذلك أنهم إذا صلحوا صلحت أعمالهم وإذا صلحت أعمالهم وافقت النظام العام وصلحت بها الأرض لحياتهم الأرضية.
فقد تبين بما مر أولا أن حقيقة دعوة النبوة هي إصلاح الحياة الإنسانية الأرضية قال تعالى: حكاية عن شعيب:"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت": هود: 88.
وثانيا: أن قوله:"و لا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون"إلخ ، على سذاجة بيانه معتمد على حجة برهانية.
ولعل في قوله:"و لا يصلحون"بعد قوله:"الذين يفسدون في الأرض"إشارة إلى أنه كان المتوقع منهم بما أنهم بشر ذوو فطرة إنسانية أن يصلحوا في الأرض لكنهم انحرفوا عن الفطرة وبدلوا الإصلاح إفسادا.
قوله تعالى:"قالوا إنما أنت من المسحرين"أي ممن سحر مرة بعد مرة حتى غلب على عقله ، وقيل: إن السحر أعلى البطن والمسحر من له جوف فيكون كناية عن أنك بشر مثلنا تأكل وتشرب فيكون قوله بعده:"و ما أنت إلا بشر مثلنا"تأكيدا له ، وقيل: المسحر من له سحر أي رئة كأن مرادهم أنك متنفس بشر مثلنا.
قوله تعالى:"و ما أنت إلا بشر مثلنا - إلى قوله - عذاب يوم عظيم"الشرب بكسر الشين النصيب من الماء ، والباقي ظاهر وقد تقدمت تفصيل القصة في سورة هود.
قوله تعالى:"فعقروها فأصبحوا نادمين"نسبة العقر إلى الجمع - ولم يعقرها إلا واحد منهم - لرضاهم بفعله ، وفي نهج البلاغة ،: أيها الناس إنما يجمع الناس الرضا والسخط وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا فقال سبحانه:"فعقروها فأصبحوا نادمين".
وقوله:"فأصبحوا نادمين"لعل ندمهم إنما كان عند مشاهدتهم ظهور آثار العذاب وإن قالوا له بعد العقر تعجيزا واستهزاء:"يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين": الأعراف: 77.
قوله تعالى:"فأخذهم العذاب - إلى قوله - العزيز الرحيم"اللام للعهد أي أخذهم العذاب الموعود فإن صالحا وعدهم نزول العذاب بعد ثلاثة أيام كما في سورة هود ، والباقي ظاهر.