فهرس الكتاب

الصفحة 3207 من 4314

و قيل: في الكلام تقدير والأصل بورك من في المكان الذي فيه النار - وهو البقعة المباركة التي كانت فيها الشجرة كما في سورة القصص - ومن فيها هو موسى وحولها هي الأرض المقدسة التي هي الشامات ، ومن حولها هم الأنبياء القاطنون فيها من آل إبراهيم وبني إسرائيل.

وقيل: المراد بمن في النار نور الله تعالى وبمن حولها موسى.

وقيل: المراد بمن في النار الشجرة فإنها كانت محاطة بالنار بمن حولها الملائكة المسبحون.

وأكثر هذه الوجوه لا يخلو من تحكم ظاهر.

قوله تعالى:"يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم"تعرف منه تعالى لموسى (عليه السلام) ليعلم أن الذي يشافهه بالكلام ربه تعالى فهذه الآية في هذه السورة تحاذي قوله من سورة طه"نودي أن يا موسى إني أنا ربك فاخلع"إلخ ، فارجع إلى سورة طه وتدبر في الآيات.

قوله تعالى:"و ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب"إلخ ، الاهتزاز التحرك الشديد ، والجان الحية الصغيرة السريعة الحركة ، والإدبار خلاف الإقبال ، والتعقيب الكر بعد الفر من عقب المقاتل إذا كر بعد فراره.

وفي الآية حذف وإيجاز تفصح عنه الفاء الفصيحة في قوله:"فلما رآها تهتز"والتقدير وألق عصاك فلما ألقاها إذا هي ثعبان مبين يهتز كأنه جان ولما رآها تهتز إلخ.

ولا منافاة بين صيرورة العصا ثعبانا مبينا كما وقع في قصته (عليه السلام) من سورتي الأعراف والشعراء والثعبان الحية العظيمة الجثة وبين تشبيهها في هذه السورة بالجان فإن التشبيه إنما وقع في الاهتزاز وسرعة الحركة والاضطراب حيث شاهد العصا وقد تبدلت ثعبانا عظيم الجثة هائل المنظر يهتز ويتحرك بسرعة اهتزاز الجان وتحركه بسرعة وليس تشبيها لنفس العصا أو الثعبان بنفس الجان.

وقيل: إن آية العصا كانت مختلفة الظهور فقد ظهرت العصا لأول مرة في صورة الجان كما وقع في سورة طه:"فألقاها فإذا هي حية تسعى: آية: 20 من السورة ثم ظهرت لما ألقاها عند فرعون في صورة ثعبان مبين كما في سورتي الأعراف والشعراء."

وفيه أن هذا الوجه وإن كان لا يخلو بالنظر إلى سياق الآيات عن وجاهة لكنه لا يندفع به إشكال تشبيه الشيء بنفسه أو عدم تبدلها حية فالمعول في دفع الإشكال على ما تقدم.

قوله تعالى:"يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون"حكاية نفس الخطاب الصادر هناك وهو في معنى قال الله يا موسى لا تخف"إلخ".

وقوله:"لا تخف"نهي مطلق يؤمنه عن كل ما يسوء مما يخاف منه ما دام في حضرة القرب والمشافهة سواء كان المخوف منه عصا أو غيرها ولذا علل النهي بقوله:"إني لا يخاف لدي المرسلون"فإن تقييد النفي بقوله:"لدي"يفيد أن مقام القرب والحضور يلازم الأمن ولا يجامع مكروها يخاف منه ، ويؤيده تبديل هذه الجملة في القصة من سورة القصص من قوله:"إنك من الآمنين"فيتحصل المعنى: لا تخف من شيء إنك مرسل والمرسلون - وهم لدي في مقام القرب - في مقام الأمن ولا خوف مع الأمن.

وأما فرار موسى (عليه السلام) من العصا وقد تصورت بتلك الصورة الهائلة وهي تهتز كأنها جان فقد كان جريا منه على ما جبل الله الطبيعة الإنسانية عليه إذا فاجأه من المخاطر ما لا سبيل له إلى دفعه عن نفسه إلا الفرار وقد كان أعزل لا سلاح معه إلا

عصاه وهي التي يخافها على نفسه ولم يرد عليه من جانبه تعالى أمر سابق أن يلزم مكانه أو نهي عن الفرار مما يخافه على نفسه إلا قوله تعالى:"و ألق عصاك"وقد امتثله ، وليس الفرار من المخاطر العظيمة التي لا دافع لها إلا الفرار ، من الجبن المذموم حتى يذم عليه.

وأما إن الأنبياء والمرسلين لا يخافون شيئا وهم عند ربهم - على ما يدل عليه قوله:"إني لا يخاف لدي المرسلون"- فهم لا يملكون هذه الكرامة من عند أنفسهم بل إنما ذلك بتعليم من الله وتأديب وإذ كان موقف ليلة الطور أول موقف من موسى قربه الله إليه فيه وخصه بالتكليم وحباه بالرسالة والكرامة فقوله:"لا تخف إنك من الآمنين"وقوله:"لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون"تعليم وتأديب إلهي له (عليه السلام) .

فتبين بذلك أن قوله:"لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون"تأديب وتربية إلهية لموسى (عليه السلام) وليس من التوبيخ والتأنيب في شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت