فهرس الكتاب

الصفحة 3254 من 4314

و يظهر منه أنه (عليه السلام) كان ذا مراقبة شديدة في أعماله فلا يأتي بعمل ولا يريده وإن كان مما يقتضيه طبعه البشري إلا ابتغاء مرضاة ربه وجهادا فيه ، وهذا ظاهر بالتدبر في القصة فهو القائل لما وكز القبطي: رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ثم القائل لما خرج من مصر خائفا يترقب:"رب نجني من القوم الظالمين"ثم القائل لما أخذ في السلوك:"عسى ربي أن يهديني سواء السبيل"ثم القائل لما سقى وتولى إلى الظل:"رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير"ثم القائل لما آجر نفسه شعيبا وعقد على بنته:"و الله على ما نقول وكيل".

وما نقل عن بعضهم أن اللام في"لما أنزلت"للتعليل وكذا قول بعضهم إن المراد بالخير خير الدين وهو النجاة من الظالمين بعيد مما يعطيه السياق.

قوله تعالى:"فجاءته إحداهما تمشي على استحياء"إلى آخر الآية.

ضمير إحداهما للمرأتين ، وتنكير الاستحياء للتفخيم والمراد بكون مشيها على استحياء ظهور التعفف من مشيتها ، وقوله:"ليجزيك أجر ما سقيت لنا"ما مصدرية أي ليعطيك جزاء سقيك لنا ، وقوله:"فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف"إلخ يلوح إلى أن شعيبا استفسره حاله فقص عليه قصته فطيب نفسه بأنه نجا منهم إذ لا سلطان لهم على مدين.

وعند ذلك تمت استجابته تعالى لموسى (عليه السلام) أدعيته الثلاثة فقد كان سأل الله تعالى عند خروجه من مصر أن ينجيه من القوم الظالمين فأخبره شعيب (عليه السلام) بالنجاة وترجى أن يهديه سواء السبيل وهو في معنى الدعاء فورد مدين ، وسأله الرزق فدعاه شعيب ليجزيه أجر ما سقى وزاد تعالى فكفاه رزق عشر سنين ووهب له زوجا يسكن إليها.

قوله تعالى:"قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين"إطلاق الاستيجار يفيد أن المراد استخدامه لمطلق حوائجه التي تستدعي من يقوم مقامه وإن كانت العهدة باقتضاء المقام رعي الغنم.

وقوله:"إن خير من استأجرت"إلخ ، في مقام التعليل لقوله:"استأجره"وهو من وضع السبب موضع المسبب والتقدير استأجره لأنه قوي أمين وخير من استأجرت هو القوي الأمين.

وفي حكمها بأنه قوي أمين دلالة على أنها شاهدت من نحو عمله في سقي الأغنام ما استدلت به على قوته وكذا من ظهور عفته في تكليمهما وسقي أغنامهما ثم في صحبته لها عند ما انطلق إلى شعيب حتى أتاه ما استدلت به على أمانته.

ومن هنا يظهر أن هذه القائلة:"يا أبت استأجره"إلخ ، هي التي جاءته وأخبرته بدعوة أبيها له كما وردت به روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وذهب إليه جمع من المفسرين.

قوله تعالى:"قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج"إلخ ، عرض من شعيب لموسى (عليهما السلام) أن يأجره نفسه ثماني سنين أو عشرا قبال تزويجه إحدى ابنتيه وليس بعقد قاطع ومن الدليل عدم تعين المعقودة في كلامه (عليه السلام) .

فقوله:"إحدى ابنتي هاتين"دليل على حضورهما إذ ذاك ، وقوله:"على أن تأجرني ثماني حجج"أي على أن تأجرني نفسك أي تكون أجيرا لي ثماني حجج ، والحجج جمع حجة والمراد بها السنة بعناية أن كل سنة فيها حجة للبيت الحرام ، وبه يظهر أن حج البيت - وهو من شريعة إبراهيم (عليه السلام) - كان معمولا به عندهم.

وقوله:"فإن أتممت عشرا فمن عندك"أي فإن أتممته عشر سنين فهو من عندك وباختيار منك من غير أن تكون ملزما من عندي.

وقوله:"و ما أريد أن أشق عليك"إخبار عن نحو ما يريده منه من الخدمة وأنه عمل غير موصوف بالمشقة وأنه مخدوم صالح.

وقوله:"ستجدني إن شاء الله من الصالحين"أي إني من الصالحين وستجدني منهم إن شاء الله فالاستثناء متعلق بوجدان موسى إياه منهم لا بكونه في نفسه منهم.

قوله تعالى:"قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل"الضمير لموسى (عليه السلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت