قوله تعالى:"و لكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر"تطاول العمر تمادي الأمد والجملة استدراك عن النفي في قوله:"و ما كنت بجانب الغربي"، والمعنى: ما كنت حاضرا هناك شاهدا لما جرى فيه ولكنا أوجدنا أجيالا بعده فتمادى بهم الأمد ثم أنزلنا عليك قصته وخبر نزول الكتاب عليه ففي الكلام إيجاز بالحذف لدلالة المقام عليه.
قوله تعالى:"و ما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين"الثاوي المقيم يقال: ثوى في المكان إذا أقام فيه ، والضمير في"عليهم"لمشركي مكة الذين كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو عليهم آيات الله التي تقص ما جرى على موسى (عليه السلام) في مدين زمن كونه فيه.
وقوله:"و لكنا كنا مرسلين"استدراك من النفي في صدر الآية.
والمعنى: وما كنت مقيما في أهل مدين - وهم شعيب وقومه - مشاهدا لما جرى على موسى هناك تتلو على المشركين آياتنا القاصة لخبره هناك ولكنا كنا مرسلين لك إلى قومك موحين بهذه الآيات إليك لتتلوها عليهم.
قوله تعالى:"و ما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك"إلى آخر الآية ، الظاهر من مقابلة الآية لقوله السابق:"و ما كنت بجانب الغربي إذ قضينا"إلخ ، إن المراد بهذا النداء ما كان من الشجرة في الليلة التي آنس فيها من جانب الطور نارا.
وقوله:"و لكن رحمة من ربك"إلخ ، استدراك عن النفي السابق ، والظاهر أن"رحمة"مفعول له ، والالتفات عن التكلم بالغير إلى الغيبة في قوله:"من ربك"للدلالة على كمال عنايته تعالى به (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقوله:"لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك"الظاهر أن المراد بهذا القوم أهل عصر الدعوة النبوية أو هم ومن يقارنهم من آبائهم فإن العرب خلت فيهم رسل منهم كهود وصالح وشعيب وإسماعيل (عليهما السلام) .
والمعنى: وما كنت حاضرا في جانب الطور إذ نادينا موسى وكلمناه واخترناه للرسالة حتى تخبر عن هذه القصة إخبار الحاضر المشاهد ولكن لرحمة منا أخبرناك بها لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون.
قوله تعالى:"و لو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا"إلخ ، المراد بما قدمت أيديهم ما اكتسبوه من السيئات من طريق الاعتقاد والعمل بدليل ذيل الآية ، والمراد بالمصيبة التي تصيبهم أعم من مصيبة الدنيا والآخرة فإن الإعراض عن الحق بالكفر والفسوق يستتبع المؤاخذة الإلهية في الدنيا كما يستتبعها في الآخرة ، وقد تقدم بعض الكلام فيه في ذيل قوله:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض": الأعراف: 96 وغيره.
وقوله:"فيقولوا ربنا لو لا أرسلت"متفرع على ما تقدمه على تقديم عدم إرسال الرسول وجواب لو لا محذوف لظهوره والتقدير: لما أرسلنا رسولا.
ومحصل المعنى: أنه لو لا أنه تكون لهم الحجة علينا على تقدير عدم إرسال الرسول وأخذهم بالعذاب بما قدمت أيديهم من الكفر والفسوق لما أرسلنا إليهم رسولا لكنهم يقولون ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك التي يتلوها علينا ونكون من المؤمنين.
قوله تعالى:"فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى"إلخ ، أي فأرسلنا إليهم الرسول بالحق وأنزلنا الكتاب فلما جاءهم الحق من عندنا والظاهر أنه الكتاب النازل على الرسول وهو القرآن النازل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والمراد بقولهم:"لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى"أي لو لا أوتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل التوراة التي أوتيها موسى (عليه السلام) ، وكأنهم يريدون به أن ينزل القرآن جملة واحدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله:"و قال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة": الفرقان: 32.
وقد أجاب الله عن قولهم بقوله:"أ ولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا"يعنون القرآن والتوراة"و قالوا إنا بكل كافرون".
والفرق بين القولين أن الأول كفر بالكتابين والثاني كفر بأصل النبوة ولعله الوجه لتكرار"قالوا"في الكلام.