و محصل التعليل على هذا المعنى: أن الإله المعبود بالحق يجب أن يكون ذاتا بيده شيء من تدبير العالم ، والتدبير الكوني لا ينفك عن الخلق والإيجاد فلا معنى لأن يوجد الحوادث شيء ويدبر أمرها شيء آخر - وقد أوضحناه مرارا في هذا الكتاب - ولا يكون الخالق الموجد إلا واجب الوجود ولا واجب إلا هو تعالى فلا إله إلا هو.
وقولهم: إنه تعالى أجل من أن يحيط به عقل أو وهم فلا يمكن التوجه العبادي إليه فلا بد أن يتوجه بالعبادة إلى بعض مقربي حضرته من الملائكة الكرام وغيرهم ليكونوا شفعاء عنده.
مدفوع بمنع توقف التوجه بالعبادة على العلم الإحاطي بل يكفي فيه المعرفة بوجه وهو حاصل بالضرورة.
وأما على تقدير كون المراد بالهالك ما يستقبله الهلاك والفناء بناء على ما قيل: إن اسم الفاعل ظاهر في الاستقبال فظاهر الآية أن كل شيء سيستقبله الهلاك بعد وجوده إلا وجهه.
نعم استقبال الهلاك يختلف باختلاف الأشياء فاستقباله في الزمانيات انتهاء أمد وجودها وبطلانها بعده وفي غيرها كون وجودها محاطا بالفناء من كل جانب.
وهلاك الأشياء على هذا بطلان وجودها الابتدائي وخلو النشأة الأولى عنها بانتقالها إلى النشأة الأخرى ورجوعها إلى الله واستقرارها عنده ، وأما البطلان المطلق بعد الوجود فصريح كتاب الله ينفيه فالآيات متتابعة في أن كل شيء مرجعه إلى الله وأنه المنتهى وإليه الرجعى وهو الذي يبدىء الخلق ثم يعيده.
فمحصل معنى الآية - لو أريد بالوجه صفاته الكريمة - أن كل شيء سيخلي مكانه ويرجع إليه إلا صفاته الكريمة التي هي مبادىء فيضه فهي تفيض ثم تفيض إلى ما لا نهاية له والإله يجب أن يكون كذلك لا بطلان لذاته ولا انقطاع لصفاته الفياضة وليس شيء غيره تعالى بهذه الصفة فلا إله إلا هو.
ولو أريد بوجهه الذات المقدسة فالمحصل أن كل شيء سيستقبله الهلاك والفناء بالرجوع إلى الله سبحانه إلا ذاته الحقة الثابتة التي لا سبيل للبطلان إليها - والصفات على هذا محسوبة من صقع الذات - والإله يجب أن يكون بحيث لا يتطرق الفناء إليه وليس شيء غيره بهذه الصفة فلا إله إلا هو.
وبما تقدم من التقرير يندفع الاعتراض على عموم الآية بمثل الجنة والنار والعرش فإن الجنة والنار لا تنعدمان بعد الوجود وتبقيان إلى غير النهاية ، والعرش أيضا كذلك بناء على ما ورد في بعض الروايات أن سقف الجنة هو العرش.
وجه الاندفاع أن المراد بالهلاك هو تبدل نشأة الوجود والرجوع إلى الله المعبر عنه بالانتقال من الدنيا إلى الآخرة والتلبس بالعود بعد البدء ، وهذا إنما يكون فيما هو موجود بوجود بدئي دنيوي ، وأما الدار الآخرة وما هو موجود بوجود أخروي كالجنة والنار فلا يتصف شيء من هذا القبيل بالهلاك بهذا المعنى.
قال تعالى:"ما عندكم ينفد وما عند الله باق": النحل: 96 ، وقال:"و ما عند الله خير للأبرار": آل عمران: 198 ، وقال:"سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد": الأنعام: 124 ، ونظيرتهما خزائن الرحمة كما قال:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه": الحجر: 21 ، وكذا اللوح المحفوظ كما قال:"و عندنا كتاب حفيظ": ق: 4.
وأما ما ذكروه من العرش فقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله تعالى:"إن ربكم الله"الآية ،: الأعراف: 54.
ويمكن أن يراد بالوجه جهته تعالى التي تنسب إليه وهي الناحية التي يقصد منها ويتوجه إليه بها ، وتؤيده كثرة استعمال الوجه في كلامه تعالى بهذا المعنى كقوله:"يريدون وجهه": الأنعام: 52 ، وقوله:"إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى": الليل: 20 ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدا.
وعليه فتكون عبارة عن كل ما ينسب إليه وحده فإن كان الكلام على ظاهر عمومه انطبق على الوجه الأول الذي أوردناه ويكون من مصاديقه أسماؤه وصفاته وأنبياؤه وخلفاؤه ودينه الذي يؤتى منه.
وإن خص الوجه بالدين فحسب - كما وقع في بعض الروايات إن لم يكن من باب التطبيق - كان المراد بالهلاك الفساد وعدم الأثر ، وكانت الجملة تعليلا لقوله:"و لا تدع مع الله إلها آخر"وكان ما قبلها قرينة على أن المراد بالشيء الدين والأعمال المتعلقة به وكان محصل المعنى: ولا تتدين بغير دين التوحيد لأن كل دين باطل لا أثر له إلا دينه.