و قوله:"بل أكثرهم لا يعقلون"أي لا يتدبرون الآيات ولا يحكمون العقول حتى يعرفوا الله ويميزوا الحق من الباطل فهم لا يعقلون حق التعقل.
قوله تعالى:"و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون"اللهو ما يلهيك ويشغلك عما يهمك فالحياة الدنيا من اللهو لأنها تلهي الإنسان وتشغله بزينتها المزوقة الفانية عن الحياة الخالدة الباقية.
واللعب فعل أو أفعال منتظمة انتظاما خياليا لغاية خيالية كملاعب الصبيان والحياة الدنيا لعب لأنها فانية سريعة البطلان كلعب الصبيان يجتمعون عليه ويتولعون به ساعة ثم يتفرقون وسرعان ما يتفرقون.
على أن عامة المقاصد التي يتنافس فيها المتنافسون ويتكالب عليه الظالمون أمور وهمية سرابية كالأموال والأزواج والبنين وأنواع التقدم والتصدر والرئاسة والمولوية والخدم والأنصار وغيرها فالإنسان لا يملك شيئا منها إلا في ظرف الوهم والخيال.
وأما الحياة الآخرة التي يعيش فيها الإنسان بكماله الواقعي الذي اكتسبه بإيمانه وعمله الصالح فهي المهمة التي لا لهو في الاشتغال بها والجد الذي لا لعب فيها ولا لغو ولا تأثيم ، والبقاء الذي لا فناء معه ، واللذة التي لا ألم ، عندها والسعادة التي لا شقاء دونها ، فهي الحياة بحقيقة معنى الكلمة.
وهذا معنى قوله سبحانه:"و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان".
وفي الآية - كما ترى - قصر الحياة الدنيا في اللهو واللعب والإشارة إليها بهذه المفيدة للتحقير وقصر الحياة الآخرة في الحيوان وهو الحياة وتأكيده بأدوات التأكيد كان واللام وضمير الفصل والجملة الاسمية.
وقوله:"لو كانوا يعلمون"أي لو كانوا يعلمون لعلموا أن الأمر كما وصفنا.
قوله تعالى:"فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون"تفريع على ما تحصل من الآيات السابقة من شأنهم وهو أنهم يؤفكون وأن كثيرا منهم لا يعقلون أي لما كانوا يؤفكون ويصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره وأكثرهم لا يعقلون ويناقضون أنفسهم بالاعتراف والجحد فإذا ركبوا"إلخ".
والركوب الاستعلاء بالجلوس على الشيء المتحرك وهو متعد بنفسه وتعديته في الآية بفي لتضمنه معنى الاستقرار أو ما يشبهه ، والمعنى: فإذا ركبوا مستقرين في الفلك أو استقروا في الفلك راكبين ، ومعنى الآية ظاهر وهي تحكي عنهم تناقضا آخر وكفرانا للنعمة.
قوله تعالى:"ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون"اللام في"ليكفروا"و"ليتمتعوا"لام الأمر وأمر الآمر بما لا يرتضيه تهديد وإنذار كقولك لمن تهدده:"افعل ما شئت"، قال تعالى:"اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير": حم السجدة: 40.
واحتمل كون اللام للغاية ، والمعنى: أنهم يأتون بهذه الأعمال لتنتهي بهم إلى كفران النعمة التي آتيناهم وإلى التمتع ، وأول الوجهين أوفق لقوله في ذيل الآية:"فسوف يعلمون"، ويؤيده قوله في موضع آخر:"ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون": الروم: 34 ، ولذا قرأه من قرأ"و ليتمتعوا"بسكون اللام إذ لا يسكن غير لام الأمر.
قوله تعالى:"أ ولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم"الحرم الأمن هو مكة وما حولها وقد جعله الله مأمنا بدعاء إبراهيم (عليه السلام) والتخطف كالخطف استلاب الشيء بسرعة واختلاسه وقد كانت العرب يومئذ تعيش في التغاور والتناهب ولا يزالون يغير بعضهم على بعض بالقتل والسبي والنهب لكنهم يحترمون الحرم ولا يتعرضون لمن أقام بها فيها.
والمعنى: أ ولم ينظروا أنا جعلنا حرما آمنا لا يتعرض لمن فيه بقتل أو سبي أو نهب والحال أن الناس يختلسون من حولهم خارج الحرم.
وقوله:"أ فبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون"توبيخ آخر لهم حيث يقابلون هذه النعمة وهي نعمة عظيمة بالكفران لكنهم يؤمنون بالأصنام وهي باطلة ليس لها إلا الاسم.