و قد اشتبه الأمر على من يقول: إن جعل القوانين العامة لما كان لصلاح حال البشر وإصلاح شأنه وجب أن تتبدل بتبدل الاجتماعيات في نفسها وارتقائها وصعودها مدارج الكمال ، ولا شك أن النسبة بيننا وبين عصر نزول القرآن ، وتشريع قوانين الإسلام أعظم بكثير من النسبة بين ذلك العصر وعصر بعثة عيسى (عليه السلام) وموسى (عليه السلام) فكان تفاوت النسبة بين هذا العصر وعصر النبي موجبا لنسخ شرائع الإسلام ووضع قوانين أخر قابلة الانطباق على مقتضيات العصر الحاضر.
والجواب عنه: أن الدين كما مر لم يعتبر في تشريعه مجرد الكمال المادي الطبيعي للإنسان ، بل اعتبر حقيقة الوجود الإنساني ، وبنى أساسه على الكمال الروحي والجسمي معا ، وابتغى السعادة المادية والمعنوية جميعا ، ولازم ذلك أن يعتبر فيه حال الفرد الاجتماعي المتكامل بالتكامل الديني دون الفرد الاجتماعي المتكامل بالصنعة والسياسة ، وقد اختلط الأمر على هؤلاء الباحثين فإنهم لولوعهم في الأبحاث الاجتماعية المادية والمادة متحولة متكاملة كالاجتماع المبني عليها حسبوا أن الاجتماع الذي اعتبره الدين نظير الاجتماع الذي اعتبروه اجتماع مادي جسماني ، فحكموا عليه بالتغير والنسخ حسب تحول الاجتماع المادي ، وقد عرفت أن الدين لا يبني تشريعه على أساس الجسم فقط ، بل الجسم والروح جميعا ، وعلى هذا يجب أن يفرض فرد ديني أو اجتماع ديني جامع للتربية الدينية والحياة المادية التي سمحت به دنيا اليوم ثم لينظر هل يوجد عنده شيء من النقص المفتقر إلى التتميم ، والوهن المحتاج إلى التقوية؟.
وسابعا: أن الأنبياء (عليهم السلام) معصومون عن الخطإ.
كلام في عصمة الأنبياء
توضيح هذه النتيجة: أن العصمة على ثلاثة أقسام: العصمة عن الخطإ في تلقي الوحي ، والعصمة عن الخطإ في التبليغ والرسالة ، والعصمة عن المعصية وهي ما فيه هتك حرمة العبودية ومخالفة مولوية ، ويرجع بالآخرة إلى قول أو فعل ينافي العبودية منافاة ما ، ونعني بالعصمة وجود أمر في الإنسان المعصوم يصونه عن الوقوع فيما لا يجوز من الخطإ أو المعصية.
وأما الخطأ في غير باب المعصية وتلقي الوحي والتبليغ ، وبعبارة أخرى في غير باب أخذ الوحي وتبليغه والعمل به كالخطإ في الأمور الخارجية نظير الأغلاط الواقعة للإنسان في الحواس وإدراكاتها أو الاعتباريات من العلوم ، ونظير الخطإ في تشخيص الأمور التكوينية من حيث الصلاح والفساد والنفع والضرر ونحوها فالكلام فيها خارج عن هذا المبحث.
وكيف كان فالقرآن يدل على عصمتهم (عليهم السلام) في جميع الجهات الثلاث: أما العصمة عن الخطإ في تلقي الوحي وتبليغ الرسالة: فيدل عليه قوله تعالى في الآية"فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه"فإنه ظاهر في أن الله سبحانه إنما بعثهم بالتبشير والإنذار وإنزال الكتاب وهذا هو الوحي ليبينوا للناس الحق في الاعتقاد والحق في العمل ، وبعبارة أخرى لهداية الناس إلى حق الاعتقاد وحق العمل ، وهذا هو غرضه سبحانه في بعثهم ، وقد قال تعالى:"لا يضل ربي ولا ينسى:"طه - 52 ، فبين أنه لا يضل في فعله ولا يخطىء في شأنه فإذا أراد شيئا فإنما يريده من طريقه الموصل إليه من غير خطإ ، وإذا سلك بفعل إلى غاية فلا يضل في سلوكه ، وكيف لا وبيده الخلق والأمر وله الملك والحكم ، وقد بعث الأنبياء بالوحي إليهم وتفهيمهم معارف الدين ولا بد أن يكون ، وبالرسالة لتبليغها للناس ولا بد أن يكون! وقال تعالى أيضا:"إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا:"الطلاق - 3 ، وقال أيضا:"و الله غالب على أمره:"يوسف - 21.