فهرس الكتاب

الصفحة 3344 من 4314

و قوله:"ليذيقهم بعض الذي عملوا"اللام للغاية ، أي ظهر ما ظهر لأجل أن يذيقهم الله وبال بعض أعمالهم السيئة بل ليذيقهم نفس ما عملوا وقد ظهر في صورة الوبال وإنما كان بعض ما عملوا لأن الله سبحانه برحمته يعفو عن بعض كما قال:"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير": الشورى: 30.

والآية ناظرة إلى الوبال الدنيوي وإذاقة بعضه لأكله من غير نظر إلى وبال الأعمال الأخروي فما قيل: إن المراد إذاقة الوبال الدنيوي وتأخير الوبال الأخروي إلى يوم القيامة لا دليل عليه ولعله جعل تقدير الكلام:"ليذيقهم بعض جزاء ما عملوا مع أن التقدير"ليذيقهم جزاء بعض ما عملوا"، لأن الذي يحوجنا إلى تقدير المضاف - لو أحوجنا - هو أن الراجع إليهم ثانيا في صورة الفساد هو جزاء أعمالهم لا نفس أعمالهم فالذي أذيقوا هو جزاء بعض ما عملوا لا بعض جزاء ما عملوا."

وقوله:"لعلهم يرجعون"أي يذيقهم ما يذيقهم رجاء أن يرجعوا من شركهم ومعاصيهم إلى التوحيد والطاعة.

ووجه اتصال الآية بما قبلها أنه لما احتج في الآية السابقة على التوحيد ونزهه عن شركهم أشار في هذه الآية إلى ما يستتبع الشرك - وهو معصية - من الفساد في الأرض وإذاقة وبال السيئات فبين ذلك بيان عام.

ولهم في الآية تفاسير مختلفة عجيبة كقول بعضهم المراد بالأرض أرض مكة وقول بعضهم: المراد بالبر القفار التي لا يجري فيها نهر وبالبحر كل قرية على شاطىء نهر عظيم ، وقول بعضهم: البر الفيافي ومواضع القبائل والبحر السواحل والمدن التي عند البحر والنهر ، وقول بعضهم: البر البرية والبحر المواضع المخصبة الخضرة ، وقول بعضهم: إن هناك مضافا محذوفا والتقدير في البر ومدن البحر ، ولعل الذي دعاهم إلى هذه الأقاويل ما ورد أن الآية ناظرة إلى القحط الذي وقع بمكة إثر دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على قريش لما لجوا في كفرهم وداموا على عنادهم فأرادوا تطبيق الآية على سبب النزول فوقعوا فيما وقعوا من التكلف.

وقول بعضهم: إن المراد بالفساد في البر قتل ابن آدم أخاه وفي البحر أخذ كل سفينة غصبا وهو كما ترى.

قوله تعالى:"قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين"أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمرهم أن يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار الذين كانوا من قبل حيث خربت ديارهم وعفت آثارهم وبادوا عن آخرهم وانقطع دابرهم بأنواع من النوائب والبلايا كان أكثرهم مشركين فأذاقهم الله بعض ما عملوا ليعتبر به المعتبرون فيرجعوا إلى التوحيد ، فالآية في مقام الاستشهاد لمضمون الآية السابقة.

قوله تعالى:"فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون"تفريع على ما تقدمه أي إذا كان الشرك والكفر بالحق بهذه المثابة وله وبال سيلحق بالمتلبس به فأقم وجهك للدين القيم.

وقوله:"من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله"متعلق بقوله:"فأقم"والمرد مصدر ميمي بمعنى الرد وهو بمعنى الراد واليوم الذي لا مرد له من الله يوم القيامة.

وقوله:"يومئذ يصدعون"أصله يتصدعون ، والتصدع في الأصل تفرق أجزاء الأواني ثم استعمل في مطلق التفرق كما قيل ، والمراد به - كما قيل - تفرقهم يومئذ إلى الجنة والنار.

وقيل: المراد تفرق الناس بأشخاصهم كما يشير إليه قوله تعالى:"يوم يكون الناس كالفراش المبثوث": القارعة: 4. ولكل وجه ، ولعل الأظهر امتياز الفريقين كما سيأتي.

قوله تعالى:"من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون"الظاهر أنه تفسير لقوله في الآية السابقة:"يتفرقون"وقوله:"من كفر فعليه كفره"أي وبال كفره بتقدير المضاف أو نفس كفره الذي سينقلب عليه نارا يخلد فيها وهذا أحد الفريقين.

وقوله:"و من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون"مهد الفراش بسطه وإيطاؤه ، وهؤلاء الفريق الآخر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وقد جيء بالجزاء"فلأنفسهم يمهدون"جمعا نظرا إلى المعنى ، كما أنه جيء به مفردا في الشرطية السابقة"فعليه كفره"نظرا إلى اللفظ ، واكتفى في الشرط بذكر العمل الصالح ولم يذكر الإيمان معه لأن العمل إنما يصلح بالإيمان على أنه مذكور في الآية التالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت