فهرس الكتاب

الصفحة 3362 من 4314

و التسخير قهر الفاعل في فعله بحيث يفعله على ما يستدعيه القاهر ويريده كتسخير الكاتب القلم للكتابة وكما يسخر المولى عبده والمخدوم خادمه في أن يفعل باختياره وإرادته ما يختاره ويريده المولى والمخدوم والأسباب الكونية كائنة ما كانت تفعل بسببيتها الخاصة ما يريده الله من نظام يدبر به العالم الإنساني.

ومما مر يظهر أن اللام في"لكم"للتعليل الغائي والمعنى لأجلكم والمسخر بالكسر هو الله تعالى دون الإنسان ، وربما احتمل كون اللام للملك والمسخر بالكسر هو الإنسان بمشية من الله تعالى كما يشاهد من تقدم الإنسان بمرور الزمان في تسخير أجزاء الكون واستخدامه لها في سبيل مقاصده لكن لا يلائمه تصدير الكلام بقوله:"أ لم تروا".

وقوله:"و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة"الإسباغ الإتمام والإيساع أي أتم وأوسع عليكم نعمه ، والنعم جمع نعمة وهو في الأصل بناء النوع وغلب عليه استعماله في ما يلائم الإنسان فيستلذ منه ، والمراد بالنعم الظاهرة والباطنة بناء على كون الخطاب للمشركين النعم الظاهرة للحس كالسمع والبصر وسائر الجوارح والصحة والعافية والطيبات من الرزق والنعم الغائبة عن الحس كالشعور والإرادة والعقل.

وبناء على عموم الخطاب لجميع الناس الظاهرة من النعم هي ما ظهر للحس كما تقدم وكالدين الذي به ينتظم أمور دنياهم وآخرتهم والباطنة منها كما تقدم وكالمقامات المعنوية التي تنال بإخلاص العمل.

وقوله:"و من الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير"رجوع الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما كان في السياق السابق ، والمجادلة المخاصمة النظرية بطريق المغالبة ، والمقابلة بين العلم والهدى والكتاب تلوح بأن المراد بالعلم ما هو مكتسب من حجة عقلية ، وبالهدى ما يفيضه الله بالوحي أو الإلهام ، وبالكتاب الكتاب السماوي المنتهي إليه تعالى بالوحي النبوي ولذلك وصفه بالمنير فهذه طرق ثلاث من العلم لا رابع لها.

فمعنى قوله: يجادل في الله بغير كذا وكذا أنه يجادل في وحدانيته تعالى في الربوبية والألوهية بغير حجة يصح الركون إليها بل عن تقليد.

قوله تعالى:"و إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا"إلخ ، ضمائر الجمع راجعة إلى"من"باعتبار المعنى كما أن ضمير الإفراد في الآية السابقة راجع إليه باعتبار اللفظ.

وقوله:"و إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله"في التعبير بما أنزل الله من غير أن يقال: اتبعوا الكتاب أو القرآن إشارة إلى كون الدعوة دعوة ذات حجة لا تحكم فيها لأن نزول الكتاب مؤيد بحجة النبوة فكأنه قيل: وإذا دعوا إلى دين التوحيد الذي يدل عليه الكتاب المقطوع بنزوله من عند الله سبحانه ، وبعبارة أخرى إذا ألقى إليهم القول مع الحجة قابلوه بالتحكم من غير حجة فقالوا نتبع ما وجدنا عليه آباءنا.

وقوله:"أ ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير"أي أ يتبعون آباءهم ولو كان الشيطان يدعوهم بهذا الاتباع إلى عذاب السعير؟ فالاستفهام للإنكار ولو وصلية معطوفة على محذوف مثلها والتقدير أ يتبعونهم لو لم يدعهم الشيطان ولو دعاهم.

ومحصل الكلام: أن الاتباع إنما يحسن إذا كانوا على الحق وأما لو كانوا على الباطل وكان اتباعا يدعوهم به إلى الشقاء وعذاب السعير وهو كذلك فإنه اتباع في عبادة غير الله ولا معبود غيره.

قوله تعالى:"و من يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور"استئناف ويحتمل أن يكون حالا من مفعول"يدعوهم"وفي معنى الجملة الحالية ضمير عائد إليهم ، والمعنى: أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى كذا والحال أن من أسلم وجهه إلى الله كذا فقد نجا وأفلح والحال أن عاقبة الأمور ترجع إلى الله فيجب أن يكون هو المعبود.

وإسلام الوجه إلى الله تسليمه له وهو إقبال الإنسان بكليته عليه بالعبادة وإعراضه عمن سواه.

والإحسان الإتيان بالأعمال الصالحة عن إيقان بالآخرة كما فسره به في أول السورة"هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون"والعروة الوثقى المستمسك الذي لا انفصام له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت