فهرس الكتاب

الصفحة 3364 من 4314

قوله تعالى:"و لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله"إلخ ،"من شجرة"بيان للموصول والشجرة واحد الشجر وتفيد في المقام - وهي في سياق"لو"الاستغراق أي كل شجرة في الأرض ، والمراد بالبحر مطلق البحر ، وقوله:"يمده من بعده سبعة أبحر"أي يعينه بالانضياف إليه سبعة أمثاله والظاهر أن المراد بالسبعة التكثير دون خصوص هذا العدد والكلمة هي اللفظ الدال على معنى ، وقد أطلق في كلامه تعالى على الوجود المفاض بأمره تعالى ، وقد قال:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82 ، وقد أطلق على المسيح (عليه السلام) الكلمة في قوله:"و كلمته ألقاها إلى مريم": النساء: 171.

فالمعنى: ولو جعل أشجار الأرض أقلاما وأخذ البحر وأضيف إليه سبعة أمثاله وجعل المجموع مدادا فكتب كلمات الله - بتبديلها ألفاظا دالة عليها - بتلك الأقلام من ذلك المداد لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله لكونها غير متناهية.

ومن هنا يظهر أن في الكلام إيجازا بالحذف وأن قوله:"إن الله عزيز حكيم"في مقام التعليل ، والمعنى: لأنه تعالى عزيز لا يعزه ولا يقهره شيء فهذه الكتابة لا ينفد بها ما هو من عنده حكيم لا يفوض التدبير إلى غيره.

والآية متصلة بما قبلها من حيث دلالته على كون تدبير الخلق له سبحانه لا لغيره فسيقت هذه الآية للدلالة على سعة تدبيره وكثرة أوامره التكوينية في الخلق والتدبير إلى حيث ينفد البحر الممدود بسبعة أمثاله لو جعل مدادا وكتبت به أشجار الأرض المجعولة أقلاما قبل أن ينفد أوامره وكلماته.

قوله تعالى:"ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير"سوق للكلام إلى إمكان الحشر وخاصة من جهة استبعادهم المعاد لكثرة عدد الموتى واختلاطهم بالأرض من غير تميز بعضهم من بعض.

فقال تعالى:"ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة"في الإمكان والتأتي فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ولا يعجزه كثرة ولا يتفاوت بالنسبة إليه الواحد والجمع ، وذكر الخلق مع البعث للدلالة على عدم الفرق بين البدء والعود من حيث السهولة والصعوبة بل لا يتصف فعله بالسهولة والصعوبة.

ويشهد لما ذكر إضافة الخلق والبعث إلى ضمير الجمع المخاطب والمراد به الناس ثم تنظيره بالنفس الواحدة ، والمعنى: ليس خلقكم معاشر الناس على كثرتكم ولا بعثكم إلا كخلق نفس واحدة وبعثها فأنتم على كثرتكم والنفس الواحدة سواء لأنه لو أشكل عليه بعث الجميع على كثرتهم والبعث لجزاء الأعمال فإنما يشكل من جهة الجهل بمختلف أعمالكم على كثرتها واختلاط بعضها ببعض لكنه ليس يجهل شيئا منها لأنه سميع لأقوالكم بصير بأعمالكم وبعبارة أخرى عليم بأعمالكم من طريق المشاهدة.

وبما مر يندفع الاعتراض على الآية بأن المناسب لتعليل كون خلق الكثير وبعثهم كنفس واحدة أن يعلل بمثل قولنا: إن الله على كل شيء قدير أو قوي عزيز أو ما يشبه ذلك لا بمثل السميع البصير الذي لا ارتباط له بالخلق والبعث.

وذلك أن الإشكال الذي تعرضت الآية لدفعه هو أن البعث لجزاء الأعمال وهي على كثرتها واندماج بعضها في بعض كيف تتميز حتى تجزى عليها فالإشكال متوجه إلى ما ذكره قبل ثلاث آيات بقوله:"فننبئهم بما عملوا"وقد أجيب بأنه كيف يخفى عليه شيء من الأقوال والأعمال وهو سميع بصير لا يشذ عن مشاهدته قول ولا فعل.

وقد كان ذيل قوله السابق:"فننبئهم بما عملوا"بقوله:"إن الله عليم بذات الصدور"وهو مبني على أن الجزاء على حسب ما يحمله القلب من الحسنة والسيئة كما يشير إليه قوله:"و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": البقرة: 284 ، وجواب عن هذا الإشكال لو وجه إلى ما تحمله القلوب على كثرته فيجاب عنه أن الله عليم بذات الصدور ولو وجه إلى نفس الأعمال الخارجية من الأقوال والأفعال فالجواب عنه بما في هذه الآية التي نحن فيها:"إن الله سميع بصير"، فالإشكال والجواب بوجه نظير ما وقع في قوله تعالى:"قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى": طه: 52 ، فافهم.

وقد أجابوا عن الاعتراض بأجوبة أخرى غير تامة من أراد الوقوف عليها فليراجع المطولات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت