فهرس الكتاب

الصفحة 3366 من 4314

و ثانيا: أن الكمالات الوجودية التي هي صفات الوجود كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والوحدة والخلق والملك والغنى والحمد والخبرة - مما عد في الآيات السابقة أو لم يعد - صفات قائمة به تعالى على حسب ما يليق بساحة كبريائه وعز قدسه لأنها صفات وجودية والوجود قائم به تعالى فهي إما عين ذاته كالعلم والقدرة وإما صفات خارجة عن ذاته منتزعة عن فعله كالخلق والرزق والرحمة.

وثالثا: أن قبول الشريك في ذاته أو في تدبيره وكل ما يحمل معنى الفقد والنقص مسلوب عنه تعالى وهذه هي الصفات السلبية كنفي الشريك ونفي التعدد ونفي الجسم والمكان والزمان والجهل والعجز والبطلان والزوال إلى غيرها.

فإن إطلاق وجوده وعدم تقيده بقيد ينفي عنه كل معنى عدمي أي إثبات الوجود مطلقا فإن مرجع نفي النفي إلى الإثبات.

ولعل قوله:"و أن الله هو العلي الكبير"يفيد ثبوت الصفات له بكلتا مرحلتيها بناء على أن اسم"العلي"يفيد معنى تنزهه عن ما لا يليق بساحته فهو مجمع الصفات السلبية والكبير يفيد سعته لكل كمال وجودي فهو مجمع الصفات الثبوتية.

وأن صدر الآية برهان على ذيلها وذيلها برهان على استجماعه تعالى الصفات الثبوتية والسلبية جميعا على ما تقدم تقريره فهو الذات المستجمع لجميع صفات الكمال فهو الله عز اسمه.

وقوله:"و أن ما يدعون من دونه الباطل"يجري فيه ما جرى في قوله:"ذلك بأن الله هو الحق"فالذي يدعونه من الآلهة ليس لهم من الحقيقة شيء ولا إليهم من الخلق والتدبير شيء لأن الشريك في الألوهية والربوبية باطلا لا حق فيه وإذ كان باطلا على كل تقدير فلا يستند إليه خلق ولا تدبير مطلقا.

والحق والعلي والكبير ثلاثة من الأسماء الحسنى وقد تحقق مما تقدم أن الحق في معنى الواجب الوجود وأن العلي من الصفات السلبية والكبير من الصفات الثبوتية قريب المعنى من قولنا: المستجمع لصفات الكمال.

قوله تعالى:"أ لم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته"إلخ ، الباء في"بنعمة الله"للسببية وذكر النعمة كالتوطئة لآخر الآية وفيه تلويح إلى وجوب شكره على نعمته لأن شكر المنعم واجب.

والمعنى: أ لم تر أن الفلك تجري وتسير في البحر بسبب نعمة الله وهي أسباب جريانها من الريح ورطوبة الماء وغير ذلك.

واحتمل بعضهم أن الباء للتعدية أو المعية والمراد بالنعمة ما تحمله السفن من الطعام وسائر أمتعة الحياة.

وقد تمم الآية بقوله:"إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور"والصبار الشكور أي كثير الصبر عند الضراء وكثير الشكر عند النعماء كناية عن المؤمن على ما قيل.

قوله تعالى:"و إذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين"إلخ ، قال الراغب: الظلة سحابة تظل وأكثر ما يقال فيما يستوخم ويكره ، قال:"كأنه ظلة""عذاب يوم الظلة"انتهى.

والمعنى: وإذا غشيهم وأحاط بهم في البحر موج كقطع السحاب انقطعوا إلى الله ودعوه للنجاة حال كونهم مخلصين له الدين أي وفي ذلك دليل على أن فطرتهم على التوحيد.

وقوله:"فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد"المقتصد سالك القصد أي الطريق المستقيم والمراد به التوحيد الذي دلتهم عليه فطرتهم إذ ذلك ، وفي التعبير بمن التبعيضية استقلال عدتهم أي فلما نجا الله سبحانه هؤلاء الداعين بالإخلاص إلى البر فقليل منهم المقتصدون.

وقوله:"و ما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور"الختار مبالغة من الختر وهو شدة الغدر وفي السياق دليل على الاستكثار والمعنى ظاهر.

قوله تعالى:"يا أيها الناس اتقوا ربكم"لما ساق الحجج والمواعظ الشافية الوافية جمعهم في خاتمتها في خطاب عام يدعوهم إلى التقوى وينذرهم بيوم القيامة الذي لا يغني فيه مغن إلا الإيمان والتقوى.

قال الراغب: الجزاء الغنى والكفاية ، وقال: يقال: غررت فلانا أصبت غرته ونلت منه ما أريد والغرة غفلة في اليقظة والغرار غفلة مع غفوة ، إلى أن قال: فالغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان وقد فسر بالشيطان إذ هو أخبث الغارين وبالدنيا لما قيل: الدنيا تغر وتضر وتمر انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت