قلنا: إنما الشأن كل الشأن في اتصال الآية بما قبلها من الآيات فهذه الأحاديث على كثرتها البالغة ناصة في نزول الآية وحدها ، ولم يرد حتى في رواية واحدة نزول هذه الآية في ضمن آيات نساء النبي ولا ذكره أحد حتى القائل باختصاص الآية بأزواج النبي كما ينسب إلى عكرمة وعروة ، فالآية لم تكن بحسب النزول جزءا من آيات نساء النبي ولا متصلة بها وإنما وضعت بينها إما بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عند التأليف بعد الرحلة ، ويؤيده أن آية"و قرن في بيوتكن"على انسجامها واتصالها لو قدر ارتفاع آية التطهير من بين جملها ، فموقع آية التطهير من آية"و قرن في بيوتكن"كموقع آية"اليوم يئس الذين كفروا"من آية محرمات الأكل من سورة المائدة ، وقد تقدم الكلام في ذلك في الجزء الخامس من الكتاب.
وبالبناء على ما تقدم تصير لفظة أهل البيت اسما خاصا - في عرف القرآن - بهؤلاء الخمسة وهم النبي وعلي وفاطمة والحسنان (عليه السلام) لا يطلق على غيرهم ، ولو كان من أقربائه الأقربين وإن صح بحسب العرف العام إطلاقه عليهم.
والرجس - بالكسر فالسكون - صفة من الرجاسة وهي القذارة ، والقذارة هيئة في الشيء توجب التجنب والتنفر منها ، وتكون بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير ، قال تعالى:"أو لحم الخنزير فإنه رجس": الأنعام: 154 ، وبحسب باطنه - وهو الرجاسة والقذارة المعنوية - كالشرك والكفر وأثر العمل السيىء ، قال تعالى:"و أما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون": التوبة: 152 ، وقال:"و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون": الأنعام: 152.
وأيا ما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري من تعلق القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيىء وإذهاب الرجس - واللام فيه للجنس - إزالة كل هيئة خبيثة في النفس تخطىء حق الاعتقاد والعمل فتنطبق على العصمة الإلهية التي هي صورة علمية نفسانية تحفظ الإنسان من باطل الاعتقاد وسيىء العمل.
على أنك عرفت أن إرادة التقوى أو التشديد في التكاليف لا تلائم اختصاص الخطاب في الآية بأهل البيت ، وعرفت أيضا أن إرادة ذلك لا تناسب مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من العصمة.
فمن المتعين حمل إذهاب الرجس في الآية على العصمة ويكون المراد بالتطهير في قوله:"و يطهركم تطهيرا"- وقد أكد بالمصدر - إزالة أثر الرجس بإيراد ما يقابله بعد إذهاب أصله ، ومن المعلوم أن ما يقابل الاعتقاد الباطل هو الاعتقاد الحق فتطهيرهم هو تجهيزهم بإدراك الحق في الاعتقاد والعمل ، ويكون المراد بالإرادة أيضا غير الإرادة التشريعية لما عرفت أن الإرادة التشريعية التي هي توجيه التكاليف إلى المكلف لا تلائم المقام أصلا.
والمعنى: أن الله سبحانه تستمر إرادته أن يخصكم بموهبة العصمة بإذهاب الاعتقاد الباطل وأثر العمل السيىء عنكم أهل البيت وإيراد ما يزيل أثر ذلك عليكم وهي العصمة.
قوله تعالى:"و اذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا"ظاهر السياق أن المراد بالذكر ما يقابل النسيان إذ هو المناسب لسياق التأكيد والتشديد الذي في الآيات فيكون بمنزلة الوصية بعد الوصية بامتثال ما وجه إليهن من التكاليف ، وفي قوله في بيوتكن تأكيد آخر.
والمعنى: واحفظن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة وليكن منكن في بال حتى لا تغفلن ولا تتخطين مما خط لكم من المسير.
وأما قول بعضهم: إن المراد واشكرن الله إذ صيركن في بيوت يتلى فيهن القرآن والسنة فبعيد من السياق وخاصة بالنظر إلى قوله في ذيل الآية:"إن الله كان لطيفا خبيرا".
قوله تعالى:"إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات"إلخ ، الإسلام لا يفرق بين الرجال والنساء في التلبس بكرامة الدين وقد أشار سبحانه إلى ذلك إجمالا في مثل قوله:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم": الحجرات: 13 ، ثم صرح به في مثل قوله:"إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى": آل عمران: 159 ، ثم صرح به تفصيلا في هذه الآية.