و الآية مطلقة تشمل ما إذا فرض لهن فريضة المهر وما إذا لم يفرض فيقيدها قوله:"و إن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم": البقرة: 273 ، وتبقى حجة فيما لم يفرض لهن فريضة.
قوله تعالى:"يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن"إلى آخر الآية ، يذكر سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإحلال سبعة أصناف من النساء: الصنف الأول ما في قوله:"أزواجك اللاتي آتيت أجورهن"والمراد بالأجور المهور ، والثاني ما في قوله:"و ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك"أي من يملكه من الإماء الراجعة إليه من الغنائم والأنفال ، وتقييد ملك اليمين بكونه مما أفاء الله عليه كتقييد الأزواج بقوله:"اللاتي آتيت أجورهن"للتوضيح لا للاحتراز.
والثالث والرابع ما في قوله:"و بنات عمك وبنات عماتك"قيل: يعني نساء قريش ، والخامس والسادس ما في قوله:"و بنات خالك وبنات خالاتك"قيل: يعني نساء بني زهرة ، وقوله:"اللاتي هاجرن معك"قال في المجمع: ، هذا إنما كان قبل تحليل غير المهاجرات ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل.
والسابع ما في قوله:"و امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها"وهي المرأة المسلمة التي بذلت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعنى أن ترضى أن يتزوج بها من غير صداق ومهر فإن الله أحلها له إن أراد أن يستنكحها ، وقوله:"خالصة لك من دون المؤمنين"إيذان بأن هذا الحكم - أي حلية المرأة للرجل ببذل النفس - من خصائصه لا يجري في المؤمنين ، وقوله بعده:"قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم"تقرير لحكم الاختصاص.
وقوله:"لكيلا يكون عليك حرج"تعليل لقوله في صدر الآية:"إنا أحللنا لك"أو لما في ذيلها من حكم الاختصاص والأول أظهر وقد ختمت الآية بالمغفرة والرحمة.
قوله تعالى:"ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء"إلخ ، الإرجاء التأخير والتبعيد ، وهو كناية عن الرد ، والإيواء: الإسكان في المكان وهو كناية عن القبول والضم إليه.
والسياق يدل على أن المراد به أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) على خيرة من قبول من وهبت نفسها له أو رده.
وقوله:"و من ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك"، الابتغاء هو الطلب أي ومن طلبتها من اللاتي عزلتها ولم تقبلها فلا إثم عليك ولا لؤم أي يجوز لك أن تضم إليك من عزلتها ورددتها من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لك بعد العزل والرد.
ويمكن أن يكون إشارة إلى أن له (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقسم بين نسائه وأن يترك القسم فيؤخر من يشاء منهن ويقدم من يشاء ويعزل بعضهن من القسم فلا يقسم لها أو يبتغيها فيقسم لها بعد العزل وهو أوفق لقوله بعده:"و من ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى - أي أقرب - أن تقر أعينهن - أي يسررن - ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم"وذلك لسرور المتقدمة بما قسمت له ورجاء المتأخرة أن تتقدم بعد.
وقوله:"و كان الله عليما حليما"أي يعلم مصالح عباده ولا يعاجل في العقوبة.
وفي الآية أقوال مختلفة أخر والذي أوردناه هو الأوفق لوقوعها في سياق سابقتها متصلة بها وبه وردت الأخبار عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كما سيجيء.
قوله تعالى:"لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن"إلخ ، ظاهر الآية لو فرضت مستقلة في نفسها غير متصلة بما قبلها تحريم النساء له (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا من خيرهن فاخترن الله ونفي جواز التبدل بهن يؤيد ذلك.
لكن لو فرضت متصلة بما قبلها وهو قوله:"إنا أحللنا لك"إلخ ، كان مدلولها تحريم ما عدا المعدودات وهي الأصناف الستة التي تقدمت.
وفي بعض الروايات عن بعض أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بالآية محرمات النساء المعدودة في قوله:"حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم"الآية: النساء: 23.
فقوله:"لا يحل لك النساء من بعد"أي من بعد اللاتي اخترن الله ورسوله وهي التسعة على المعنى الأول أو من بعد من عددناه في قولنا:"إنا أحللنا لك"على المعنى الثاني أو من بعد المحللات وهي المحرمات على المعنى الثالث.