فهرس الكتاب

الصفحة 3468 من 4314

و قوله:"و من تزكى فإنما يتزكى لنفسه"بدل الخشية وإقامة الصلاة من التزكي للإشارة إلى أن المطلوب بالدعوة والإنذار هو التزكي وتزكية النفس تلبسها بالخشية من الله على الغيب وإقامة الصلاة.

وفيه تقرير وتأكيد لما تقدم من كونه تعالى غنيا حميدا فهو تعالى لا ينتفع بما يدعو إليه من التزكي بل الذي تزكى فإنما يتزكى لنفع نفسه.

وقد ختم الآية بقوله:"و إلى الله المصير"للدلالة على أن تزكية من تزكى لا تذهب سدى ، فإن كلا من الفريقين صائرون إلى ربهم لا محالة وهو يحاسبهم ويجازيهم فيجازي هؤلاء المتزكين أحسن الجزاء.

قوله تعالى:"و ما يستوي الأعمى والبصير"الظاهر أنه عطف على قوله:"و إلى الله المصير"تعليل في صورة التمثيل لعدم مساواة هؤلاء المتزكين لأولئك المكذبين ، وقيل: عطف على قوله السابق:"و ما يستوي البحران".

قوله تعالى:"و لا الظلمات ولا النور"تكرار حروف النفي مرة بعد مرة في الآية وما يليها لتأكيد النفي.

قوله تعالى:"و لا الظل ولا الحرور"الحرور شدة حر الشمس على ما قيل وقيل: هو السموم وقيل: السموم يهب نهارا والحرور يهب ليلا ونهارا.

قوله تعالى:"و ما يستوي الأحياء ولا الأموات"إلى آخر الآية عطف على قوله:"و ما يستوي الأعمى والبصير"وإنما كرر قوله:"ما يستوي"ولم يعطف"الأحياء ولا الأموات"على قوله: الأعمى والبصير" كرابعته لطول الفصل فأعيد"ما يستوي"لئلا يغيب المعنى عن ذهن السامع فهو كقوله: "كيف يكون للمشركين عهد عند الله ورسوله - إلى أن قال - كيف وإن يظهروا عليكم"إلخ. التوبة: - 8."

والجمل المتوالية المترتبة أعني قوله:"و ما يستوي الأعمى والبصير - إلى قوله - وما يستوي الأحياء ولا الأموات"تمثيلات للمؤمن والكافر وتبعات أعمالهما.

وقوله:"إن الله يسمع من يشاء"وهو المؤمن كان ميتا فأحياه الله فأسمعه لما في نفسه من الاستعداد لذلك قال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا:"الأنعام: - 122 ، وأما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنما هو وسيلة والهدى هدى الله.

وقوله:"و ما أنت بمسمع من في القبور"أي الأموات والمراد بهم الكفار المطبوع على قلوبهم.

قوله تعالى:"إن أنت إلا نذير"قصر إضافي أي ليس لك إلا إنذارهم وأما هداية من اهتدى منهم وإضلال من ضل ولم يهتد جزاء له بسيىء عمله فإنما ذلك لله سبحانه.

ولم يذكر البشير مع النذير مع كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) متلبسا بالوصفين معا لأن المقام مقام الإنذار فالمناسب هو التعرض لوصف الإنذار مع أنه مذكور في الآية التالية.

قوله تعالى:"إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير"المفاد على ما يقتضيه السياق إنا أرسلناك بالتبشير والإنذار وليس ببدع مستغرب فما من أمة من الأمم إلا وقد خلا ومضى فيها نذير فذلك من سنن الله الجارية في خلقه.

وظاهر السياق أن المراد بالنذير الرسول المبعوث من عند الله وفسر بعضهم النذير بمطلق من يقوم بالعظة والإنذار من نبي أو عالم غير نبي وهو خلاف ظاهر الآية.

نعم ليس من الواجب أن يكون نذير كل أمة من أفرادها فقد قال تعالى:"خلا فيها"ولم يقل:"خلا منها".

قوله تعالى:"و إن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير"البينات هي الآيات المعجزة التي تشهد على حقية الرسل ، والزبر جمع زبور ولعل المراد بها بقرينة مقابلتها للكتاب الصحائف والكتب التي فيها ذكر الله تعالى من غير أن تتضمن الأحكام والشرائع ، والكتاب المنير الكتاب المنزل من السماء المتضمن للشرائع ككتاب نوح وإبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى (عليه السلام) ، ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير"الأخذ كناية عن التعذيب ، والنكير الإنكار ، والباقي ظاهر.

كلام في معنى عموم الإنذار

قد تقدم في أبحاث النبوة في الجزء الثاني وفي قصص نوح (عليه السلام) في الجزء العاشر من الكتاب ما يدل من طريق العقل على عموم النبوة ويؤيده الكتاب.

فلا تخلو أمة من الأمم الإنسانية عن ظهور ما للدعوة الحقة النبوية فيها وأما كون نبي كل أمة من نفس تلك الأمة فلا دليل عليه ، وقد عرفت أن قوله تعالى:"و إن من أمة إلا خلا فيها نذير"الآية مفاده ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت