فهرس الكتاب

الصفحة 3487 من 4314

و على هذا التقرير يكون معنى قوله:"و ما أنزل الرحمن من شيء"لم ينزل الله وحيا ولو نزل شيئا على بشر لنلناه من نفوسنا كما تدعون أنتم ذلك ، وتعبيرهم عن الله سبحانه بالرحمن إنما هو لكونهم كسائر الوثنيين معترفين بالله سبحانه واتصافه بكرائم الصفات 1 كالخلق والرحمة والملك غير أنهم يرون أنه فوض أمر التدبير إلى مقربي خلقه كالملائكة الكرام فهم الأرباب المدبرون والآلهة المعبودون ، وأما الله عز اسمه فهو رب الأرباب وإله الآلهة.

ومن الممكن أن يكون ذكر اسم الرحمن في الحكاية دون المحكي فيكون التعبير به لحلمه ورحمته تعالى قبل إنكارهم وتكذيبهم للحق الصريح.

وقوله:"إن أنتم إلا تكذبون"بمنزلة النتيجة لصدر الآية ، ومحصل قولهم إنكم بشر مثلنا ولا نجد نحن على بشريتنا في نفوسنا شيئا من الوحي النازل الذي تدعونه وأنتم مثلنا فما أنزل الرحمن شيئا من الوحي فدعواكم كاذبة وإذ ليس لكم إلا هذه الدعوى فإن أنتم إلا تكذبون.

ويظهر بما تقدم نكتة الحصر في قوله:"إن أنتم إلا تكذبون"وكذا الوجه في نفي الفعل ولم يقل: إن أنتم إلا كاذبون لأن المراد نفي الفعل في الحال دون الاستمرار والاستقبال.

قوله تعالى:"قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين"لم يحك الله سبحانه عن هؤلاء الرسل جوابا عن حجة قومهم ما أنتم إلا بشر مثلنا"إلخ."

كما نقل عن الرسل المبعوثين إلى الأمم الدارجة لما احتجت أممهم بمثل هذه الحجة"إن أنتم إلا بشر مثلنا"فردتها رسلهم بقولهم:"إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده:"إبراهيم: - 11 وقد مر تقريره.

بل حكى عنهم أنهم ذكروا للقوم أنهم مرسلون إليهم مأمورون بتبليغ الرسالة ليس عليهم إلا ذلك وأنهم في غنى عن تصديقهم لهم وإيمانهم بهم ويكفيهم فيه أن يعلم ربهم بأنهم مرسلون لا حاجة لهم إلى أزيد من ذلك.

فقوله:"قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون"إخبار عن رسالتهم وقد أكد الكلام بأن المشددة المكسورة واللام ، والاستشهاد بعلم ربهم بذلك ، وقوله:"ربنا يعلم"معترض بمنزلة القسم ، والمعنى إنا مرسلون إليكم صادقون في دعوى الرسالة ويكفينا في ذلكم علم ربنا الذي أرسلنا بها ولا حاجة لنا فيه إلى تصديقكم لنا ولا نفع لنا فيه من أجر ونحوه ولا يهمنا تحصيله منكم بل الذي يهمنا هو تبليغ الرسالة وإتمام الحجة.

وقوله:"و ما علينا إلا البلاغ المبين"البلاغ هو التبليغ والمراد به تبليغ الرسالة أي لم يؤمر ولم نكلف إلا بتبليغ الرسالة وإتمام الحجة.

قوله تعالى:"قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم"القائلون أصحاب القرية والمخاطبون هم الرسل ، والتطير هو التشؤم وقولهم:"لئن لم تنتهوا"إلخ.

تهديد منهم للرسل.

والمعنى: قالت أصحاب القرية لرسلهم ، إنا تشأمنا بكم ونقسم لئن لم تنتهوا عن التبليغ ولم تكفوا عن الدعوة لنرجمنكم بالحجارة وليصلن إليكم وليقعن بكم منا عذاب أليم.

قوله تعالى:"قالوا طائركم معكم أ ئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون"القائلون هم الرسل يخاطبون به أصحاب القرية.

وقوله:"طائركم معكم"الطائر في الأصل هو الطير وكان يتشاءم به ثم توسع واستعمل في كل ما يتشاءم به ، وربما يستعمل فيما يستقبل الإنسان من الحوادث ، وربما يستعمل في البخت الشقي الذي هو أمر موهوم يرونه مبدأ لشقاء الإنسان وحرمانه من كل خير.

وكيف كان فقوله:"طائركم معكم"ظاهر معناه أن الذي ينبغي أن تتشأموا به هو معكم وهو حالة إعراضكم عن الحق الذي هو التوحيد وإقبالكم إلى الباطل الذي هو الشرك.

وقيل: المعنى طائركم أي حظكم ونصيبكم من الخير والشر معكم من أفعالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، هذا وهو أخذ الطائر بالمعنى الثاني لكن قوله بعد:"أ ئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون"أنسب بالنسبة إلى المعنى الأول.

وقوله:"أ ئن ذكرتم"استفهام توبيخي والمراد بالتذكير تذكيرهم بالحق من وحدانيته تعالى ورجوع الكل إليه ونحوهما وجزاء الشرط محذوف في الكلام تلويحا إلى أنه مما لا ينبغي أن يذكر أو يتفوه به والتقدير أ إن ذكرتم بالحق قابلتموه بمثل هذا الجحود الشنيع والصنيع الفظيع من التطير والتوعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت